لم تخض لعبة «تطويع» الموسيقى الشرقية لمواكبة الحضارة العالمية التي تقتصر بنظر البعض على الحضارة الغربية. لقد أدركت غادة شبير (1972) أن التطوير يبدأ وينتهي هنا، حتى لو أخذ من الخارج بعض الأفكار الثانوية. تقول المطربة اللبنانية لـ «الأخبار» إنّها تسعى دوماً إلى «موسيقى عالمية تحاكي الروح»، موليةً أهمية لـ «كاريزما الصوت والأداء» اللذين يؤديان دوراً أساسياً في وصول المؤدي إلى أذن المستمع لا إلى بصره. رائدة الموشح التي تقدّم الجمعة أمسية «ارتجال» في «مسرح المدينة» بدعوة من «نادي لكل الناس» تربط القدرة على الارتجال بامتلاك المطرب جرأةً وحضوراً فكرياً يمسكان بالأداء. مدرّسة تقنيات الغناء السرياني والموشحات في «جامعة الروح القدس ـ الكسليك» ترى أنّ الأداء الشرقيّ ببنيته التأويلية الارتجالية، لا يعتمد فقط على التمرين الصوتي التقني، بل أيضاً على تاريخ من السماع لنصوص تقليدية وتمارين تحفّز السرعة الارتجالية البديهية.


خلال تحضيرها نصّاً صوفيّاً للمعلم كمال جنبلاط بعنوان «شربنا المُدامة» سنسمعه في الأمسية المرتقبة، تؤسس شبير أرضاً جامدة لتفرشها لحناً في ما بعد، فتبدأ بمعالجة مبدئية أساسية للنص بحروفه ومدّاته، إلى جانب قراءة عميقة لفهم معانيه. تنتقل بعد ذلك إلى العمل على مخارج الخامة الصوتية. ومن هناك تبدأ بالمعالجة اللحنية بإيمان واثق بأنها تشبه هذا التراث، «أختارُ المقام، ثم أصغي بإمعان إلى أكثر من 20 عملاً للمقام المختار، لأصل إلى إشباعٍ داخلي له، عندها أبدأ بالتلحين».
رغم اصرارها على المدرسة الارتجالية، إلا أنّ شبير لا تزيد حرفاً على ما جُرّب خلال عصر ما قبل الإسلام الذي ترفض تسميته الجاهلي. «كان هناك ما يزيد على 2000 مقام لم يعد يُستعمل منها أكثر من 20، وبتنا نتشوّق إلى لحن مقامي في عصر أصبحت فيه الموسيقى الجدّية تؤدَّى في إطار أوركسترالي يخضع لعقدة نقص تجاه الغرب، ويقيّد المغنّي في توليفة عمودية معدّة سلفاً ومفتقرةً إلى النوتة الشرقية وعنصر العفوية». وتتابع: «نحاول أن نبيعهم موسيقاهم وهم متعطّشون إلى سماع موسيقانا». في رأي شبير، فإنّ هذا المسار لا يفيد بناءنا الموسيقي، حيث الأهمية للحن والمَغنى الفوري لا للتوزيع الموسيقي المكتوب، فموسيقانا «أطيب وأطهر من هذا التكلف». وتشير هنا إلى موضوع الدكتوراه الذي تحضّره، قائلةً إنّ اللغة العربية حلقية كاملة، تأثرت بالسريانية والآرامية وحَوَت كل أشكال النطق، ولا تستطيع أن تخضع لطريقة الأداء الغربي المعتمد على لغة مؤلفة من نوعين من الأحرف، تشدنا إلى بنية هارمونية، وترفع النغمة في أداء لا يتماشى مع اللغة الحلقية، وهذا سبب من أسباب اعتبار العربية لغة الشعر المُغَنّى حيث يمكن تلحين أي قصيدة وأي نصّ. خاضت شبير نفسها تجربة التوزيع في ألبوم «القصيدة» الذي حوى قصائد جديدة نسبياً. هدفت الباحثة إلى عصرنة التراث بطريقة تحافظ بها على الجوهر، فكانت حذرة ومتيقظة لإبقاء التصرف الأدائي للمغني وأحياناً للموسيقي. نرى في «يا شقيق الروح» توزيعاً فيه نصّ للبيانو، متداخلاً بآلات نفخ خشبية وعود وقانون وآلات سحب، في توزيع يخضع لممارسة تحاكي الـ «زَنْ» في التخت الشرقي خلال الغناء، بعد مقدمة موسيقية محدَّثة تقترب من الجاز.
وإذا كانت ستنتقي معياراً موسيقياً من القرن العشرين، فلا تفاجئنا صاحبة الصوت الرشيق، السهل الممتنع باختيار الملحن سيد درويش، الذي خصصت ألبوماً تناول له أعمالاً من قالب الموشح والطقطوقة والموال، فهذا العبقري البسيط كما تقول، يتسلّم المقام ويدخل فيه عميقاً ليُخرج منه ألحاناً لم تكن لتخطر في بال. ثم تتحدث عن القصبجي وعبد الوهاب وابو العلا محمد وناظم الغزالي، كمعايير تنطلق منها للتطوير والتحديث. وتضيف صاحبة «موشحات» الذي حاز جائزة «بي. بي. سي» للموسيقى لكل من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إنها أرادت أن تعيد الحياة إلى الموشح في الألبوم بعدما بات يعدّ «دقة قديمة»، فأظهرت لنا بصوت مخملي واثق، بعض معالم الموشح التي لم نكن لنشعر بها سابقاً. من هذه الروحية المتواضعة أمام تراث عميق مجهول القعر، ستطلّ شبير في أمسية تهيمن عليها قصائد مرتجلة للحلاج، وإبن زيدون، وولادة بنت المستكفي وكمال جنبلاط وجبران خليل جبران، وموشحات معظمها لسيد درويش، ترافقها فرقة تضم عفيف أبو مرهج على العود، ماريا مخول على القانون، بسام صالح على الكونترباص، ومارون أبو سمرا على الرق. 

أمسية غادة شبير: 21:30 مساء الجمعة 2 آب (أغسطس) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا، بيروت) ـ للاستعلام: 01/343101




عبد الوهاب والرحابنة

تصف غادة شبير تجربة عبد الوهاب وعاصي الرحباني في وضع أوركسترا للمغني بأنها تحترم المغني ولا تتسرع في تقليد الغرب. وعن اشكالية المحافظة على التراث الشفوي وتطويره من الداخل،  تتحدث شبير عن بعض التجارب التهجينية الناجحة، كتجربة زياد الرحباني. تقول: «نشعر بأنّ العمل عنده نابعٌ من رحم الشعوب»، وهذا واضح في أغنية «ما شاورت حالي» التي غنتها فيروز في أسطوانة «ايه في أمل»، حيث تماسك النغمات وعشقها بعضها لبعض. كذلك، تكمن فيها أيضاً روحٌ للحنٍ سرياني قديم، وهذا يدل على إيمان زياد بالقديم وثقته بأصوله».