القاهرة | تعرض الصالات في الإسكندرية فيلم «خلّي بالك من زوزو»، فتزعم «ذات» (نيللي كريم) رغبتها في عدم إزعاج شقيقها وخطيبته، فتتركهما يدخلان الفيلم وحدهما. لكنها ذهبت في الواقع للبحث عن حبيبها ــ من طرف واحد ــ «عزيز» (هاني عادل)، فتفتّش عنه في الشوارع والكافيتريات، بينما يعلو في الخلفية صوت سعاد حسني «يا واد يا تقيل... يا مشيّبني».

إذا كان تحويل عمل روائي إلى فنّ بصريّ يحتاج إلى إلمام بالعالمين، فالتحدّي مضاعف في رائعة الكاتب المصري صنع الله إبراهيم «ذات». الرواية الصادرة عام 1992، تحفل بالعديد من الفصول التوثيقية البحتة، المستمدة من عناوين الصحف وأخبارها، إضافة إلى السرد القصصي. وإذا كان ذلك يتناسب في الرواية مع عمل «ذات» في أرشيف إحدى الصحف اليومية، فإنّ الكاتبة مريم نعوم نقلت «ذات» التلفزيونية (إخراج كاملة أبو ذكرى) إلى أرشيف التلفزيون المصري «ماسبيرو». كان ذلك حلّاً دراميّاً موفّقاً، أتاح لها ولنا أن نطّلع مباشرة على تتابع الزمن المصري، في صيغة الأفلام الأرشيفية النادرة، وقد دمج بعضها في الدراما، كما حين تلحظ «ذات» حبيبها القديم مشاركاً في تظاهرات انتفاضة يناير 1977، فتوقف المشهد.
لكن نقل أرشيف الرواية إلى الشاشة لم يقتصر بالطبع على نقل «ذات» من الصحافة إلى التلفزيون، بل استطاعت المخرجة كاملة أبو ذكرى، أن تنقل الملامح الأرشيفية بالأساس عبر فنيّات الصورة والصوت، والملابس والديكور، والموسيقى والأغنيات، إضافة إلى لقطات الشارع المصري في أزمنته المتتالية، والبراح الذي يضيق، والجمال الذي يذوي والأحلام التي تختنق. وجاءت افتتاحيات الحلقات متراجعة بهدوء من أجواء أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، إلى شعبيّات السبعينيات، وصولاً إلى أصوات الدعايات التلفزيونية والرقص على أغنيات الغسّالات الكهربائية.
هكذا، فإنّ الشخصيّات ذات أساس دراميّ ــ روائيّ متماسك، إضافة إلى الجهد الظاهر في عناصر الإخراج (اهتمت بالملابس مونيا فتح الباب، وبالماكياج محمد عشوب، والموسيقى تامر كروان). وبالنظر إلى النافذة التي يفتحها العمل على التحولات المصرية من خلال أسرة اعتيادية، والتفاعل مع الظرف السياسي الآني في مصر اليوم، ليس غريباً أن حقق «ذات» نسب المشاهدة المرتفعة في رمضان الحالي، لكن التحدّي الأبرز كان تحقيق تلك الشعبية من دون الاستعانة بمن يسمّون «نجوم الصف الأول».
بدا واضحاً في العمل التلفزيوني إدارة الممثلين إخراجياً، وكذلك إخلاصهم لجهدهم الخاص في شخصيات لن تُنسى بسهولة. قد يكون على رأسها زوج «ذات» عبد المجيد أوفكورس الذي أدّاه الممثل باسم سمرة بفهم وحساسية وبإمساك الخيط الرفيع بين لزوجة الشخصية، ونوع خاص من الطيبة. لدى عبد المجيد ادعاء وازدواجية المصريّ العاديّ المتوافر بكثرة في المكاتب العادية والشوارع، النصف ريفي والنصف حضريّ، وهو أيضاً الحريص على الابتعاد عن المشكلات. مع ذلك ـــ ربما بسبب ذلك ــ تخيب تطلّعاته يوماً بعد آخر. تنافس سمرة في الأداء، الفنانة انتصار في دور والدة «ذات»، الأم التي تستمدّ قوّتها من التقاليد التي حاربت بضراوة ثقافة تحرّر الشباب المهيمنة في الخمسينيات والستينيات، وحاولت دفع ابنتها إلى أن تكون نسخة جديدة منها رغم تغيّر الزمن. جعلت انتصار من شخصية زوجها أحمد كمال ردّ فعل ـــ ضعيفاً ــ على سيطرتها على ابنتهما، فقوّة الأم الرجعية جاءت في الأساس من الرواية، بينما حذف السيناريو شخصية زينب أخت «ذات» الكبرى، وخلق بدلاً منها شقيقاً هو حسن (عمر السعيد) الذي سرعان ما يترك البلاد.
ورغم اجتهادات نيللي كريم في أعمال سابقة، إلا أنّ «ذات» يبقى دورها الأهمّ حتى الآن وربما لسنوات قادمة. لعبت نيللي حكاية «بنت اسمها ذات» بخفّة وتماهٍ لم يهتزّ إلا قليلاً، كالحالات التي وضع فيها السيناريو على لسانها آراء سياسية حادّة لا تتفق مع شخصيتها الانسحابية. بخلاف ذلك، نجحت الممثلة في نقل مشاعر فتاة عاديّة أكثر من اللازم، حيث لا طموح خاصاً بها ولا تميّز، بل محض ضياع بين سيطرة الأم وتحوّلات المجتمع. كذلك تتورط الفتاة دائماً في ما لم تُجَهَّز له. أرادت الأم لابنتها أن تبقى ربّة بيت، لكن ظروف الاقتصاد دفعتها إلى عمل لم تتأهّل له. بقيت ـــ بالضبط كحمّامها القديم ـــ ترصد تحوّلات الآخرين، وتُستدرج أحياناً إلى مشاريع ساذجة لا تلبث أن تفشل، فتنحدر أحلامها من الظفر بحبيب وسيم وبحياة سعيدة، إلى معركة عصابية من أجل تجديد الحمّام. قيل في «ذات» التلفزيونية كما قيل في «ذات» الروائية بأنّها تمثّل مصر، لا يُشترط أن يكون هذا صحيحاً، لكنهما بلا شكّ يشتركان في الكثير من الخيبات.




«ذات» 22:00 على قناة «دريم 2»