في زحمة الإنتاجات الدراميّة التي تراوح بين الجيّد والسيّئ في رمضان، يفرض مسلسل «قيامة البنادق» للمخرج عمّار رضوان (إنتاج «مركز بيروت الدولي للإنتاج الفني») نفسه عملاً متميّزاً على شاشة «المنار». حبكة دراميّة مشوّقة وأحداث ابنة بيئتها، دفعت أحد العاملين للقول بأنّه «سمفونيّة تاريخيّة». لعلّ هذا التوصيف ينصفه فنيّاً كعمل درامي، يتناول البيئة الجنوبيّة أيام «العصملي» (الاحتلال العثماني)، ويمكن عدّه أحد أفضل الإنتاجات العربيّة. لكن هذه الميزة لا ترفع من نسبة مشاهدته؛ لأنّ عرضه الحصري على قناة «المقاومة والتحرير»، تجعل جانباً من الجمهور ينصرف عن مشاهدته في ظلّ الانقسام السياسي في البلد.


رسم الخطوط الدرامية محمد النابلسي بمزاج عال. ومن الواضح أنه أخذ وقته في حبك القصّة التي تمزج بين شخصيّات حقيقيّة عايشت المرحلة، وأخرى متخيّلة أوجدت لإضفاء المزيد من التشويق على الأحداث التي تدور في قرية المالكيّة، وهي إحدى القرى السبع والمتاخمة للجولان السوري المحتل. عرف الرجل كيف يقدّم قصة درامية تؤرّخ للمرحلة مع حبكة درامية جذّابة، وضع فيها المتآمرين والمتعاملين مع المحتل بين أهالي بلدة المالكيّة. وكشفت الأحداث بعضهم بعد الحريق الذي أضرم في منزل أبو حيدر، وهروبهم إلى الأحراج خوفاً من الثأر. يضيء العمل على تغلغل الحركة الصهيونية في الجنوب اللبناني، منذ ما قبل العشرينيات.
ترافق ذلك مع اختيار ممتاز لمواقع التصوير في جنوب لبنان؛ إذ صوّر فريق العمل في مناطق حرجية بعيدة عن العمران، وسخّرت الإمكانات للخروج بمسلسل تاريخي بمواصفات جيّدة، مع ممثلين معظمهم يؤدّون أدوارهم بإتقان. ويمكن القول إنّ المسلسل وضع الممثل المناسب في المكان المناسب. خلع عمّار شلق عنه ثوب الشيخ راغب حرب بعدما أتقن أداءه، ليجسّد دور منذر (القرمش). لعلّ شلق هو أفضل من يقدّم مثل هذه الشخصيّة المركبة، وستكشف الأحداث المقبلة عن تحولات جذريّة، حين يكتشف أصوله اليهوديّة. من الشخصيّات التي تكفّلت الحلقة الأولى بالتعريف بها، الشيخ عبد الحسين شرف الدين (المرجع الديني والسياسي للثوار في جبل عامل) الذي بدا أداء الممثل علي سعد لشخصيته حفراً وتنزيلاً إذا صحّ التعبير. وكذلك أدهم خنجر ابن بلدة المروانيّة الصيداويّة الذي قاد حركة المقاومة ضد الانتداب الفرنسي لبلاد الشام. ونجح باسم مغنية في تقديمه، علماً بأنّ الدور سيتوسع إطاره في الأيّام المقبلة. وتحرّر مجدي مشموشي من الأداء الشرير المتكرّر الذي حوصر فيه في بعض الأعمال، ليتقمّص شخصيّة اليوزباشي التركي بنحو مقنع. وعرّفت الحلقة الأولى أيضاً بشخصية حامد، ومن تابع مسيرة الممثل مازن معضم منذ البدايات، يخيّل إليه أن الدور كتب من أجله. هذا الشاب المقاوم الذي يعيش قصّة حب مع سعاد (إلسا زغيب). وفيما اكتفت الحلقات الأولى بالتعريف بـ«وائل بك» الانتهازي والمتعامل مع المحتل التركي وسلطات الانتداب الفرنسي، رسم أحمد الزين ملامح قاسية وشريرة، وتبرأ تماماً من رب العائلة المقاوم أبو حسين في «الغالبون»، ليضع قناعاً مناقضاً، أجاد تقديمه. هذا بالإضافة إلى حسن فرحات في دور محمود بزي. هنا، يبيّن الممثل اللبناني قدراته التمثيليّة في التنويع بين أدواره. كان دور العميل مفصّلاً على قياسه في أكثر من عمل، منها «الغالبون» و«خلّة وردة»، وفيما سقط في فخ السينما من خلال «بترويت»، تألق في أداء شخصيّة المقاوم في «قيامة البنادق»، ثم بديع أبو شقرا بدور عبّاس ابن أبو حيدر (حسام الصبّاح) الذي يبدو أداؤه متوازناً، وكذلك هاغوب جرجيان بدور أحد العسكريين العثمانيين. حتى الآن، يبدو سعيد سرحان الآتي من عالم الأطفال والمسرح الإيمائي، مقنعاً في أول تجاربه التمثيلية مع «مركز بيروت الدولي». وينتظر ظهور شخصيّات أخرى في الحلقات المقبلة، منها شخصية سلطان باشا الأطرش التي يؤديها المخرج عمار رضوان نفسه، والتاجر طنوس القبطي من مدينة صور، وابن جبل عامل صادق حمزة الذي يؤديه رودريغ سليمان.
رغم نجاح التجربة، إلا أنّه يؤخذ على العمل عدم الاهتمام باللهجة الجنوبيّة عند بعض الممثلين والممثلات، ربما كان على الجهة المنتجة تعيين أحد خبراء اللهجة كي لا تبدو لهجة بعضهم بيروتيّة بامتياز، في عمل يدور في البيئة الجنوبيّة قبل العشرينيات. ويؤخذ أيضاً ظهور كل الممثلات اللواتي يؤدين أدوار بنات الجنوب بالحجاب دوماً، لكن أليس هناك مؤمنات لكن سافرات في هذا المجتمع؟ وإذا سلّمنا بأنّ هذه الصورة التي تريد قناة «المنار» و «مركز بيروت الدولي» عن المرأة المسلمة، فأين المنطق في وضعها الحجاب حين تجتمع الأم مع أولادها، والفتاة مع شقيقها، وفي جلسة نسائيّة مغلقة، وحتى الطفلات يضعن الحجاب داخل المنزل وخارجه؟ إذا كان لبنان خليطاً من 18 طائفة، فلماذا لا يبحث القائمون على البرمجة في «المنار» في كيفيّة تقديم مادة برامجيّة ودراميّة، تتوجه إلى جمهور المقاومة والملتزمين دينياً، لكنّها ترضي في الوقت نفسه جمهور حلفائها في الرابية وبقيّة المناطق اللبنانيّة؟





«قيامة البنادق» على «المنار» (21:25) و«الفضائية السورية» (4:40)