خلال الأسابيع الماضية، تصدّرت الأخبار الآتية من جنوب لبنان عناوين الصحف والقنوات التلفزيونية. تحوّلت صيدا فجأة من ملجأ للحركات القوميّة واليساريّة إلى مكان يعشّش فيه التطرّف والتحريض على العنف باسم الدين. لكنّ هذا الموضوع مرتبط أساساً بالأصوليّين في طرابلس (شمال لبنان) الذين يتسع خطرهم مع انتشار الجماعات المتطرّفة في محيطهم وفي أكثر من دول عربيّة.


عندما قرّرت مديرة مكتب «بي. بي. سي. عربي» في بيروت ندى عبد الصمد تناول هذا الموضوع الساخن والراهن في شريط وثائقي بعنوان «سلفيو لبنان» تعرضه قناة «bbc عربي» هذا المساء (22:30)، لم يكن المدّ السلفي المتطرّف قد اتخذ هذا الشكل الخطر الذي كاد أن يوقع حرباً أهليّة جديدة في صيدا. لم يكن قد انفلش أصلاً وانتقل من الشمال إلى الجنوب. لكنّ الصحافية الميدانيّة، تبحث دوماً عن مادة حدثية تتناولها بعمق ومنهجيّة اعتادتها منذ أن بدأت مسيرتها الإعلاميّة قبل 20 عاماً في إذاعة «صوت الشعب». بعد كتابها «وادي أبو جميل ــ قصص عن يهود بيروت» (2009) وشريط وثائقي عن يهود لبنان لمصلحة «هيئة الإذاعة البريطانية»، ها هي ندى عبد الصمد تفتح اليوم ملفّاً طرابلسيّاً، تطاول ارتداداته بلاد الأرز برمتها. الشريط يعرض تاريخ سلفيّي شمال لبنان (27 دقيقة)، حيث الثقل الأساسي والتاريخي لهم، ويعرّف بوجوههم، وطروحاتهم والخلفيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وراء اتساع شعبيتهم.
بدأت الإعلامية اللبنانيّة الإعداد لحلقتها قبل ثلاثة أشهر، أي قبل أسابيع من معارك القصير في سوريا، ورافقها المصور جبران مفطوم. تشرح عبد الصمد التي انضمت إلى أسرة إذاعة bbc قبل 16 عاماً (1997)، لـ«الأخبار» أنّ «تأخّرنا في إنجاز الحلقة ناتج من إقفال المعاهد بسبب المعارك، وخصوصاً أننا نضيء على ما يدرّسونه في معاهدهم، وكيف يقرأون الجهاد، وعمّا إذا كانت عندنا سلفية جهاديّة». وتضيف: «نعود إلى عام 2000، وتحديداً إلى أحداث الضنيّة، لأنّ هذه الحركة ظهرت إلى النور يومذاك، وارتبط اسمها بتنظيم القاعدة». تختار عبد الصمد مجموعة من الشيوخ من أكثر من تيّار سلفي، منهم مدير إذاعة «فريق الالتقاء» الشيخ خالد زعرور، وهو من الأشخاص الذين أوقفوا في أحداث الضنية، بتهمة الانتماء إلى «القاعدة»، ثم إمام مسجد عائشة أبو حذيفة، والشيخ سالم الرافعي، ومؤسس التيّار السلفي في لبنان الشيخ داعي الإسلام الشهال. توضح ندى عبد الصمد أنّ «الشريط لا يدين ولا يمتدح تلك الحركة، بل هو بطاقة تعريفية عنها تبيّن الأسباب التي تجعل السلفيين حركة تكفيريّة، وتكشف نظرتهم إلى الواقع
اللبناني.
الشريط يطلّ أيضاً على إعلامهم ويجري لقاءات مع زوجاتهم». ورغم أنّه يأتي بعد أقل من شهر على انتهاء معركة عبرا في صيدا، إلا أنّ عبد الصمد لا تمرّ على تلك الأحداث ولا تتطرق إليها، لا من قريب ولا من بعيد؛ «لأنّ أحمد الأسير لا يصنّف نفسه سلفيّاً» على حد تعبيرها. في هذا العمل، تطرح ندى عبد الصمد سؤالاً عن انضمام لبنان إلى «الربيع الإسلامي» بسبب نمو التيّارات السلفية فيه ومدى تأثير الأزمة السورية في انتشار هذه الحركات، كما تبيّن علاقة السلفيّين في لبنان بتنظيم «القاعدة»، والمناهج التي تدرّسها معاهدهم. ومع إقفال باب السلفيين، ستفتح الإعلامية اللبنانية ملفاً آخر، حيث تتطرق إلى المناخ المذهبي المشحون في لبنان. تقول إنّها تنوي طرح الموضوع قريباً، مشيرة إلى أنّ حادثة بيصور التي دفع ثمنها عاشقان خطيئتهما أنهما «من طائفتين مختلفين»، تعكس جزءاً من الشحن المذهبي الذي «هو أفقي وليس عموديّاً». أخيراً، ترى عبد الصمد أنّ «العقاب يجب أن يكون قاسياً تجاه المجرمين في قضية بيصور، ويجب عدم وضع التبريرات بتاتاً».




«سلفيو لبنان» الليلة 22:30 على قناة «bbc عربي»