يقوم معرض «جولة في تراثنا» الذي يحتضنه «مركز بيروت للمعارض» على فكرة اختبار مجموعة من الفنانين الشباب الذين ولدوا بعد عام 1973 لعلاقتهم مع مجموعة من رواد المحترف اللبناني، الذين ولدوا قبل عام 1930. جانين معماري وماري طنب، صاحبتا المشروع، تواصلتا مع أسماء كثيرة قبل أن يرسو العدد النهائي للمشاركين على 20 فناناً وفنانة. الفكرة المسبقة هي ذريعة هذا المعرض الجماعي، لكنّ القيّمتين عليه تركتا الحرية لكل مشارك في تأليف رؤيته للفكرة. ما نراه هو أعمال متنوعة منجزة في حضرة الرواد. التنوع يفترض أسئلة وطموحات تتجاوز الشرط الذي يُنظم المعرض على أساسه، إلا أن أغلب المشاركين تتحاور أعمالهم بطريقة مباشرة مع أسلافهم، كما فعل رائد ياسين في حواره مع خليل الصليبي (1870 – 1928)، حين كلّف ثلاثة رسامين بإنجاز نسخ طبق الأصل من آخر بورتريه ذاتي رسمه الصليبي قبل موته. وكما فعلت زينة عاصي بإنجاز بورتريه ثلاثي كتحية إلى ثلاثة من الجيل الأول لمتخرجي الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا)، وهم: فريد عواد (1923-1982) وهيلين الخال (1923-2009) وشفيق عبود (1926-2004).


تجربة مماثلة خاضها عبد الرحمن قطناني في تنفيذ نسخة توتيائية لامرأة عارية في لوحة لا تحمل عنواناً لجبران خليل جبران (1883 – 1931). الروح الجبرانية حاضرة في لوحات هبة كلش وألفرد طرزي أيضاً، بينما يذكرنا مازن كرباج في عمله «المقدس والمدنس» بتجربة مجهولة لخالته الرسامة اسبرانسا غريّب (1923 – 2008)، مكتفياً بعرض عدد من منحوتاتها الصغيرة، إلى جانب صناديق كرتونية ومعدنية تحتوي على كل ما بقي من عُدّة شغلها. التجهيز البدائي والمختصر لدى كرباج، يتعقد أكثر في استلهام ماريا قزعون وستيفاني سعادة لتجربة سلوى روضة شقير (1916)، إذْ عرضت الأولى تجهيزاً بعنوان «الهجين»، اخترعت فيه منطقة ثالثة للتحاور بين ممارستين متباعدتين، واستثمرت الثانية في عملها «شعر حر» جزءاً مما قدمته شقير في معرضها الاستعادي قبل عامين.
في المقابل، سعى مشاركون آخرون إلى حوار موارب تُلتقط فيه هوامش أخرى. هكذا، قدم سيسكا مقترحات بصرية التقطها في زياراته لمتحف النحات الراحل ميشال بصبوص (1921 – 1981)، وترجمت نتالي حرب لعبة الضوء والظل في بورتريهات هيلين الخال، بينما قدمت كارن كالو تجربة مشابهة في صورها الفوتوغرافية، وتعقبّت دانيال جيناردي في سلسلة مطبوعاتها الحريرية حكاية الضوء في أعمال صليبا الدويهي (1915- 1994)، وريما مارون في استلهام سيرة الضوء في تجريدات شفيق عبود. الإضافات الذاتية المختلفة في هذه المشاركات، تتضاعف في المشاركات الباقية، وهو ما نراه لدى محمد سعيد بعلبكي في تقليبه لتاريخ الحروب اللبنانية المنقسمة بين الطوائف والمذاهب في حواره التجهيزي مع النحات يوسف الحويك (1883 – 1962)، والنحات الايطالي مارينو مازاكوراتي (1907 – 1969)، من خلال التركيز على تاريخ تماثيل ساحة الشهداء في ستينات القرن الماضي. ونرى شيئاً كهذا في الفيديو الذي أنجزه روي سماحة وعمر فاخوري عن الرسامة ماري حداد (1889 – 1973) وعلاقتها الروحية مع الدكتور داهش. ولعل لوحة «تمزّق» الجصّية (Fresco) التي قدمتها شفى غدّار هي الأقل اكتراثاً بالاستجابة الفورية لأي حوار مع الأسلاف، بل هي أشبه بإعلان قطيعة (أو حوار سلبي) مع هوية المحترف اللبناني، ولكن بالأدوات التقليدية لهذا المحترف.
زحمة الأسماء المشاركة، تحوّل الحدث إلى معرض جماعي يصعب فيه تأمل كل تجربة بطريقة كافية، لكن اجتماع هذه التجارب على إنتاج نظرة معاصرة للفن اللبناني هو مناسبة لخلق انطباع آخر (غير متعمّد) حول هوية هذا الفن الذي تُثبت الأجيال الجديدة أنها نبرات وحساسيات فردية متعددة وغير متماسكة أكثر من كونها هوية موحدة ناشئة عن تراكم طبيعي. لا شك في أنّ الحرب اللبنانية كانت حاضنة لتغيرات هائلة في الرسم، كما في الشعر والرواية والمسرح أيضاً، قبل أن تأتي سنوات السلم الأهلي (المهدد دوماً) بانفتاح الفنانين الشبان على سوق الفن وغاليرياتها ومزاداتها الكبرى. هكذا، ازدهرت الفنون والممارسات المعاصرة بالتزامن مع انحسار «فن اللوحة» التقليدية. ازدهارٌ تظهر إيحاءاته في هذا المعرض، وفي معظم المواعيد التشكيلية في الأجندة السنوية. هناك طموح متعاظم لاستثمار أو تقليد ما هو دارج وسريع الانتشار في الخارج، وتحويل هذه البضاعة – بالغش أو الموهبة – إلى مقتنيات خاصة. لا نبحث هنا عن تعريف ضيق في زمن تصدّع الهويات، بل نشير إلى انفتاح الشباب على تجارب الخارج، بالتزامن مع ازدرائهم ما هو محلي، ولا مبالاتهم بالحفاظ على صلات قوية مع التجارب التي سبقتهم.


«جولة في تراثنا»: حتى 4 آب (أغسطس) ــ «مركز بيروت للمعارض»، بيال ـ للاستعلام: 01/962000




حصة تعليمية

بطريقة ما، يبدو جمع 20 فناناً حول مشروع مسبق أشبه بحصة تعليمية تفتقر إلى العفوية، وتحدّ من حرية المشاركين. وهو ما حدث في معرض «الولادة من جديد» قبل عامين، ونظّمته جانين معماري في المركز نفسه. النسخة الحالية أقل ازدحاماً لأن عدد المشاركين تقلص من 49 إلى 20 هذه المرة، ولكن الحساسيات المختلفة لا تنجو من إرسال ذبذبات سلبية باتجاه المتلقي. ونشير أيضاً إلى أن كاتالوغ المعرض ينقصه بعض التدقيق والمتابعة، إذْ يكاد القارئ لا يفهم شيئاً من الترجمة العربية للتقديم الذي كتبته المؤرخة الفنية غادة واكد للمعرض، وكان يمكن ببعض التدقيق تجنب مهزلة أن يصبح اسم جبرا إبراهيم جبرا: جبارة إبراهيم جبارة، وريمون جبارة: ريموند جبارة، وقيصر جميّل: سيزار جميل...