صنعاء | انتقالة متقدّمة تحقّقها أسماء تشكيلية يمنية شابّة بدخولها نطاق العمل المشغول على فكرة جامعة بدلاً من النوع التقليدي المتكتل في شتات لوحات، حيث كل واحدة تقول فكرتها المتجرّدة عن سواها. آمنة النصيري تنحاز إلى المسار الأول. تقوم الفنانة اليمنية بمحاولة جديدة في طريق اشتغالها التشكيلي الخاص الرامي إلى فتح ثغر في الوعي الذكوري الذي يطغى على تفكير المجتمع اليمني. هي لا تفعل ذلك من خلال أساليب تنظيرية جامدة أو عبر أدوات خطابية فجّة، بل عبر تمسّكها بالشرط الفنيّ دون سواه.

أستاذة علم الجمال في «جامعة صنعاء» كانت قد افتتحت هذا الطريق في معرضها السابق «حصارات» قبل نحو ثلاثة أعوام من خلال استخدام أدوات تعبيرية اعتمدت على اشتغالات لونية وسمعية وبصرية (فوتوغرافيا) تكشف حالة الحصار التي تعيشها المرأة في مواجهة تيّار «حجب الجسد» الأصولي الذي نجح في الاستيلاء على جسد الأنثى اليمنية وحصره في العتمة وفي منطقة واحدة لا يحق لها التحرك خارجها.

إنّها الإقامة الجبرية في دائرة محددة، بحواجز تبدأ بكتم الصوت وحجب الجسد، والحرمان من الحضور في مهن معينة تحت حجج عدم جواز كشف الجسد الأنثوي وجعله متاحاً لنظرات الغرباء التي لن تتركه في حاله!
في معرضها الجديد «رؤية من الداخل» (25 عملاً فنياً) الذي أقيم أخيراً في «صالة بيت الثقافة» في صنعاء، اكتفت النصيري بتقليص أدواتها التعبيرية عند حدود اللون والتصوير الفوتوغرافي عبر دمجهما ليخرجا بدلالات تشير إلى حالة الحجب القائمة. في هذه الأعمال، لا تظهر هوية الكائن المحجوب ولا جنس ذلك الجسد المحاصر داخل اللوحة. إنّه جسد فقط ومحجوب وراء غطاء. عبر تتبع الأجساد الموزعة في أرجاء المعرض، ننتبه إلى القمع الممارس على الجسد في المجتمع اليمني، لكننا نلاحظ أيضاً أنّ الفنانة تعمّدت التمويه كحيلة تمكّن المعرض وصاحبته من الإفلات من إشكالية الدخول في مأزق تأويل الفرق الأصولية له، وخصوصاً أنّ إشكالية الحجاب ما زالت شائكة في مجتمع محافظ وتقليدي كاليمن يعتبرها مسألة غير قابلة للنقاش أو التأويل، ولا سيما الاشتغال على المسكوت عنه؛ والكبت والتناقضات التي تسيطر على هذه البيئة التقليدية وتتحكّم في سلوكيات أصحابها.
وربما تجدر الإشارة هنا إلى حيلة لونية قامت بها النصيري لكسر حالة القمع هذه ولو عن طريق إضافة الألوان المبهجة كمحاولة لتخفيف حالة الحجب القائمة في لوحات المعرض. كأن ذلك التغييب المتعمد للألوان الداكنة، وخصوصاً الأسود منها، يمنح نوعاً من الاسترخاء والتأمل ولو كانت شخوص اللوحة ساكنة وواهنة معدومة الحيلة أمام مصيرها.
ورغم سيطرة فكرة حجب الهوية كلياً على مجموع الأعمال، إلّا أنه يمكن السير على حافات فكرة مجاورة تشير إلى أنّ المعروض لا يمسّ الحجاب أو الحجب تحديداً، بل يسعى إلى طرح أسئلة وإشارات دالة على قمع الكائن إجمالاً وتغييبه بصورة مادية كسياق يشير إلى غياب معنوي تام، بما يطرحه ذلك من قضايا وجودية حول حرية الفرد، ومفارقات الحضور والغياب. بحسب آمنة النصيري، فالمرأة هنا «محمول رمزي أكثر من كونها إشارة مباشرة الى واقع النساء، وإن كانت الأعمال تنتج هذه القراءة المحتملة»، لكنّ هذا الأمر يعتمد على تفاوت القراءات الفنية الممكن توالدها باعتبار أن المتلقي يذهب إلى تأويل العمل الفني بناءً على ثقافته وخلفيته ومراجعه الثقافية والاجتماعية. وهنا، يجب التوقف عند مسألة وضوح صورة المرأة في «رؤية من الداخل» في منطقة بعيدة عن التنميط وعن تلك الاشتغالات التي تظهرها في إطار التراث الشعبي الكليشيه الذي يلقى رواجاً لدى المتلقي الغربي الذي يود أن يرى صورة الأنثى الشرقية بالشكل المحفور في مخيلته.
تتخوف آمنة النصيري من غلبة السياسي على كل ما عداه. رغم أنّه كان يفترض أن يكون الفن والثقافة جزءاً من حركة الثورة، بل ثورة داخل الثورة، إلا أنّ ما أصاب الشارع العربي من سقوط، وتدني الوعي والانحياز للمشاريع الأصولية أثناء الربيع العربي وبعده «ما هي إلا دلالة على تغييب قسري وتحقير لجدوى الفعل الثقافي. وهي أيضاً تجاهل فج من قبل الأنظمة السابقة ومؤسساتها، التي ألقت الشارع في حضن الأفكار الرجعية، وحاربت الاتجاهات المدنية والفكرية الجادة، خوفاً من أن يتحوّل الوعي الى محرّض على التغيير».