لم يتردّد بسام كوسا في قبوله الإشراف على ورشة عمل مسرحية لطلاب السنة الأخيرة في «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق، في غياب معظم المخرجين السوريين عن الساحة. لعله تذكّر شغفه القديم بالخشبة، حين ظهر بدور صغير في مسرحية «رسول من قرية تميرة» مع المخرج الراحل فواز الساجر، في مطلع السبعينيات، وكيف أنّ الساجر رفض لاحقاً قبوله طالباً في المعهد. هكذا، عاد إلى خشبة «مسرح الحمراء» الدمشقي للمرّة الثانية من موقع المخرج، بعد إخراجه عرض «كذا انقلاب» عن نص للتركي عزيز نيسين (2008).


في العرض الحالي، لم نشعر بأننا أمام «مشروع تخرّج»، وهو تقليد درج عليه طلاب السنة الأخيرة في معهد الفنون. كنا نشاهد عملاً متكاملاً لممثلين محترفين، وخصوصاً أنّ نص المسرحي الانكليزي بيتر شافر «الكوميديا السوداء» (1965) يتطلّب قدرات أدائية عالية، نظراً إلى التحوّلات التي تشهدها الشخصيات. النص المكتوب في الستينيات يحمل راهنية محليّة، لجهة الإحالات الخاطفة لما نعيشه اليوم. سوف تطول العتمة على الخشبة، فيما نسمع حواراً بين فنان تشكيلي وخطيبته، وهما يستعدان لاستقبال رجل ثري، على أمل أن يبتاع بعض أعمال هذا التشكيلي الشاب. الانقطاع المفاجئ للنور، يقلب الأمور رأساً على عقب، فيما يعود النور إلى الخشبة، تتصرّف الشخصيات، كما لو أنّها في العتمة، مما يصعّد المواقف الكوميدية لجهة الحركة والارتجال، كأن العمى المؤقت مرآة لسلوكيات شخصيات تعيش زيفاً وخداعاً ونفاقاً طوال حياتها، وإن غلّفته بقشرة من القيم الثقافية والاجتماعية. لا يختلف زيف الفنان التشكيلي عن والد خطيبته الجنرال المتقاعد، فكلاهما يسعى إلى تبديل خندقه الإيديولوجي أمام أول هبّة ريح مواتية، وهذا ما تقوم به الجارة المتصابية (نورا العايق وياسمين المصري بالتناوب). سوف ينتظر الجميع بلهفة وصول المليونير، لكنه يأتي متأخراً، من دون أن تتحقق أحلام هؤلاء في صعود عتبة جديدة في السلّم الاجتماعي، إذ سيضلّ طريقه وتُغيّبه العتمة. أول اختبارات الزيف تتكشّف بوصول عامل الكهرباء لإصلاح العطل في التيار، فيتعامل معه سكان البناية المجتمعون في بيت التشكيلي الشاب على أنه المليونير، وتبدأ المنافسة على كسب ودّه، وتقدير فهمه العميق لمجموعة من التماثيل المعدنية التي أنجزها التشكيلي بريندسلي ميلر (طارق عبدو)، قبل أن تتحوّل أجزاء التماثيل إلى سيوف للمبارزة، فيما يتحطّم تمثال بوذا، كآخر أمل روحاني يحمي القيم المعلنة للطبقة الوسطى التي يمثّلها هؤلاء. احتضار القيم في الطبقة الوسطى، هو الفكرة الأساسية في عمل بيتر شافر، هذه الطبقة التي انخرطت في الزيف لمصلحة طموحاتها الفردية، وتالياً فإن زيف المثقف في طليعة هذه التحولات، إذ تتكشّف شخصيته عن كائن محتال ومراوغ ولص. عتمة الداخل تفضحها الوقائع الخارجية، ذلك أنّ وصول الجار المسافر هارولد (عمر عنتر وميّار ألكسان بالتناوب) في غير موعده، يضع التشكيلي في مواقف حرجة. خلال غياب الجار، يتفق التشكيلي مع خطيبته على استعارة أثاث بيت جاره لاستقبال المليونير، على نحوٍ لائق. في الظلمة، يقوم بريندسلي بتبديل الكراسي كي لا يفتضح أمره، لكن الجار يكتشف الأمر لحظة عودة النور، ويتهم صديقه الحميم بأنّه لص. على مقلب آخر، تتطوّر العلاقة بين الجنرال والجارة المتصابية والمتديّنة، إذ تتخلى تدريجاً عن حشمتها، كما يتخلى الجنرال ملكيت (أنس طيارة وغابرييل المالكي بالتناوب) عن رصانته واعتزازه بتاريخه الحربي في المعارك التي خاضها، كأنه واحد من «الرجال الجوف» بحسب قصيدة ت.س. إليوت الشهيرة. بقدوم كليا (آلاء مصري زاده) عشيقة بريندسلي، تتفجّر مفاجآت أخرى تتعلّق بسلوكيات هذا العاشق ومراوغاته وأكاذيبه تجاه خطيبته التي تجد نفسها، هي الأخرى، ضحية مراوغاته وأكاذيبه. حالة من العمى الجمعي أصابت طبقة، لطالما كانت تدعي طليعيتها وقيمها وتماسكها، لكن ما أن تخضع هذه الشريحة لاختبار حقيقي وملموس، حتى يتطاير الريش عن أجنحتها، وتفشل في التحليق والطيران في لعبة الصراع المفتوحة على المصالح الفردية في المقام الأول. العرض الذي شاهدناه قبل أيام، ولاقى إقبالاً كبيراً، يوجّه صفعة صريحة إلى التواطؤ الخفي بين المثقف والجنرال، ويشير إلى أنّه سبب البلاء، وإن ادعى الأول بأنه يقف في الضفة المضادة.