في مجموعتها الجديدة «لن أقول ما رأيت» (الأهلية ــ عمّان)، وهي الثالثة لها بعد «غبطة برية» (2007)، و«عشر نساء» (2009)، تمزج جمانة مصطفى أعباء التجربة الذاتية مع أعباء المعجم اللغوي الذي تكتب به، والنتيجة أن ما نقرأه يبدو مكتوباً على حافة هذين الطرفين أكثر من التحاق هذا المكتوب بنماذج أو نبرات شعرية معينة. هناك نوع من العصامية في جعل الشعر يتحرك في حدود ضيقة، وأن يستجيب – في الوقت نفسه – لمزاج الشاعرة الأردنية وطموحاتها التي تبدو «منحرفة» عن سياق عام تسلكه أغلب التجارب النسائية. لسنا بصدد تقسيم جندري للكتابة، لكن ثمة حاجة للتوقف أمام هذه اللغة التي تتجنّب العلاقة التقليدية مع الآخر/الرجل، وتكسر التصورات المسبقة لحضور المرأة في وعيه، وتتولى نبش الجوانب المعتمة في الذات، وتتغذى على التفاصيل غير المُحتفى بها لمجريات الواقع، وتتقن تأريخ ما يبدو أنه شذراتٌ من سيرة قبل أن تُطيح هذا الانطباع بسرعة.


«أفرغي هذه المهزلة/ لا تشيحي نظركِ عنها/ لا تهوّني عليكِ ذُلَّكِ/ قولي إن كل حروف النفي/ لم تحرس وحدتك القديمة/ إنها ملأى بالكراسي الفارغة/ والأسرّة المقعّرة/ وإنها مُحرَجة/ ودّعي خرابكِ/ وستحرس الغربان شؤمكِ/ لم تَفْتَرْ لكِ شمس/ لم يَخْدرْ على وقع مشيتكِ جبل/ لم تلتفت شجرة/ لم تنخفض سماء/ لم تتبعكِ ريح/ نادي على النهاية/ لمّعي لها حذاءها وقبّليه/ قولي إن رموز الهزيمة تحققت/ وإن النار بلغت غروركِ». لعلها ليست أفضل قصائد المجموعة، إلا أنها تبدو مثل إعلانٍ عن الرغبة في كتابة تضع المرأة بعيداً عن صورتها الشائعة وهي تتلقى أطنان الغزل المبتذل. كتابة تمجّد الدهشة المتحصلة من النظر إلى الأشياء من زاوية طازجة، وتعيد الاعتبار إلى صورة المرأة عن نفسها ككائن ضجر من صفات اللطف والجمال والملائكية التي حُبس فيها طويلاً. اللافت أن هذا يحدث بمزاج منكسر ولغة غير مدّعية تستطيع فيها بطلة القصائد أن تقول «اقتربتُ من ذُلّي/ رفعتُ عنه الغطاء/ رأيتُ ../ ولن أقول ما رأيت»، و«أسعى مستميتةً/ لتفتيت كبريائي على الملأ»، و«أشتهيكَ كأننا رجلان أو امرأتان»، و«أشهقُ في حضن غريمكَ». وتستطيع أن تعترف بأن «حواف السعادة جارحة»، وأن الفراق «لا يأتي/ إلا ويحمل كيساً من البدايات»، وأنها «في طريقي للعثور على القرط الذي سقط/ تعرّفتُ بنملة».
وتستطيع أن تمتدح نفسها بالقول: «طوبى لي/ أنْ غادرتكَ وأنت غريبٌ بعدْ».. صورٌ واستعاراتٌ مثل هذه تصف بطريقة أفضل الانطباع الذي يتشكل لدى القارئ.
انطباعٌ بأن هذه الكتابة تريد الوصول إلى الشعر من طرقٍ فرعية وضيقة، حيث يمكن تفادي كليشيهات الحب والنسويات المبتذلة التي تزدحم بها الأوتوسترادات العريضة.
قد لا تكون المجموعة كلها على سوية واحدة. قد نفضّل مقطعاً على آخر. ولكننا لا نستطيع تجاهل الروحية المختلفة التي تسري في أغلب المقاطع. روحية تلمس في طريقها اللغة والصور، وتشتغل على ضخ هذه الصور بمقادير دقيقة من الشعر.
وفي الأثناء، تترك الشاعرة ما يشبه التوصية لأُخرياتٍ سيأتيْنَ بعدها: «لم أتركْ حفرةً/ إلا ووقعتُ فيها/ لم أترك مصيبةً إلا وسرتُ من تحتها/ ولا فخاً إلا وعضّ قدمي/ الطريق ورائي آمنٌ/ ومجرّب».