يستحيل في سطور قليلة، وضمن هذا الوقت البخيل الذي فرضتْه عليّ «الأخبار»، أن أحيّي قامة عملاقة بحجم نوام تشومسكي بمناسبة منحه دكتوراه فخرية من «الجامعة الأميركية في بيروت». فكيف إذا سعت هذه التحية القصيرة إلى أن تكون «نقدية»، لا تكتفي بالانحناء أمام إنجازاته العملاقة الفذّة، بل تسلّط الضوء أيضاً على نقاط خلاف واستفسار؟ لنقرّرْ أولاً أنّ تشومسكي أحد أعظم المحرّكين الثقافيين في العالم، ولاسيّما في مجال اللسانيات الحديثة، وأنّ بصماته في هذا المجال تحديداً تمتدّ إلى علوم أخرى، كالرياضيات وعلم النفس. لكن علينا أن نجزم أيضاً أنه، في العقود الخمسة الأخيرة، بات يُعرف أولاً وأساساً، كناقد شرس للسياسات الرسمية الأميركية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في محاضرة طويلة ألقاها في «جامعة هارفرد» عام 1966 بعنوان «مسؤولية المثقفين» (نقلتُها إلى العربية سنة 1993)، وعدّها كثيرون دستوراً للحركة المناهضة لتدخّل الولايات المتحدة في فيتنام، ولدورها في جنوب شرق آسيا آنذاك، مع التركيز على مسؤولية «المثقفين» (أمثال شليسينجر وروستو وكيسينجِر) في شرعنة تلك السياسات الرسمية وتعزيزها بالحجج «الموضوعية» و«العلمية». ومن العبارات التي لا تزال ترنّ في أذهان كثيرين استمعوا إلى تلك المحاضرة أو طالعوها قولُه: «من مسؤولية المثقفين أن يقولوا الحقيقة ويفضحوا الأكاذيب»؛ «إنّ التفريق بين عدوانية الإمبريالية الليبرالية الأميركية وعدوانيةِ ألمانيا النازية تفريق أكاديمي فحسب بالنسبة إلى فلّاح فيتنامي يسمَّم بالغاز». ثم توالت محاضراته وكتبه المناهضة للسياسة الأميركية في شتى بقاع الأرض منذ اكتشاف كولومبوس: من قبيل الاعتداء على كوبا وحصارها، مروراً بتسليح إرهابيي «الكونترا» في نيكاراغوا، ودعم الطاغية الدموي بينوشيه في تشيلي، وتدريب جهاز الشاباك في إيران، وصولاً إلى دورها الإجرامي في حصار العراق وتدميره، ودعم إسرائيل الدائم ضد لبنان وفلسطين.

على أنّ تشومسكي خصّص جزءاً كبيراً من جهده الفكري لإيجاد حل «عادل» و«عملي» للمسألة الفلسطينية، فعانى أذى الصهاينة ـ تجسّساً (على ما كشف موقع «الانتفاضة الإلكترونية» مؤخّراً) ومنعاً من دخول الضفة الغربية سنة 2010. ومن الظلم أن نجتزئ هنا، في جملتين أو ثلاث، آلاف الصفحات التي حبّرها تشومسكي في هذا المجال، لكنّه يبدو مثابراً على الإيمان بفكرة «الدولتين». صحيح أنّه أقرب فكريّاً إلى «الدولة الواحدة» على امتداد فلسطين الانتدابية، أو ما يدعوه «الدولة الثنائية القومية»، بل هو أقرب إلى «اللادولة» كما يقول، استناداً ربما إلى فكره الفوضوي التحرري العريق المعادي لكلّ سلطة، غير أنّ ذلك لن يكون في رأيه تصوراً عمليّاً وعادلاً في الوقت نفسه. وفي الإطار نفسه، إطار العملانية والعدالة، رفض تشومسكي الكفاح الفلسطيني المسلح، وانتقد بعض جوانب مقاطعة إسرائيل. وجاء رفضه وانتقاده بشكل يفتقر، أحياناً، إلى الأسس المقنعة والموضوعية في رأيي المتواضع.
في ما يتعلّق بالكفاح المسلّح، أذْكر أنّ مجلة «الآداب» سألت تشومسكي في إطار ملف أعدّته عام 2002، عن رأيه في تعريف «الإنسان المدني»، فأجاب: «لا أرى جدوى كبيرة من المماحكة في هذا الموضوع. فالمزارع الذي يعمل في الحقل، والمرء الذي يتبضّع في الشارع، والطفل الراجع من مدرسته إلى بيته، كل هؤلاء مدنيون، حتى لو كان المزارع يملك بندقيةً ويعيش على أرض محتلّة...». ماذا؟ «حتى لو كان يمْلك بندقية ويعيش على أرض محتلة»، يا سيّد تشومسكي؟ أتعني أنّ المستوطن المسلّح الذي يحتل أرضاً ليست له، بموجب القانون الدولي نفسِه، مدني؟ وهل لا «يحقّ» لي، أنا الفلسطيني، أن أطلق النار عليه إلا بعد أن يبادرني بإطلاق النار (وقد يقتلني)؟!
أما في مسالة المقاطعة، فموقف تشومسكي مربك (بكسر الباء) قليلاً. في شباط 2003، أعلن رفضه للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في معرض رفضه لطرد أكاديميين إسرائيليين من هيئة تحرير مجلّات تملكها أستاذة داعمة لفلسطين. لكنه كان، وما زال، من الداعين الأساسيين لوقف المعونات العسكرية الأميركية إلى إسرائيل، بل دعا آنذاك الجامعات الأميركية التي تستثمر هناك إلى التوقف عن ذلك. ومنذ شهر، كان تشومسكي من بين أبرز مشجّعي العالم الفيزيائي الشهير ستيفان هوكينغ على رفض تلبية الدعوة إلى مؤتمر إسرائيلي يرأسه شيمون بيريز. لكنه وقف ضد حركة «بي. دي. أس» بسبب «نفاقها»، كما قال، المتمثّل في عدم دعوتها إلى مقاطعة مجرم أكبر هو أميركا (!). بل زعم أنّ الشعب الفلسطيني لا يدعم المقاطعة أصلاً، وأنّ حركة «بي. دي. أس» تديرها منظمات غير حكومية «من شخص واحد». الجدير ذكرُه أنّ الحركة التي بدأتْ في تموز 2005، تضمّ أكثر من 170 منظمة فلسطينية تمثل الغالبية الساحقة من المجتمع المدني الفلسطيني وفصائله، وتدعو إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرضِ العقوبات عليها حتى تلتزمَ بالقانون الدولي لناحية: أ) إنهاء احتلالها للضفّة وغزّة، ب) وقف تمييزها العنصري داخل حدود فلسطين 48، ج) السماح للفلسطينيين بالعودة الى بيوتهم وبلداتهم بموجب القرار الدولي رقم 194. وفي مكان آخر، يقول تشومسكي إنّ المشكلة في مقاطعة جامعة تل أبيب نفسها هي أنّ الأميركيين «لم يتحضّروا (يستعدّوا)» لعملٍ كهذا، وإنّ على المقاطعة أن تُسبَقَ بعمل تنظيمي وتوعوي، وإلّا «حقّقتْ عكس أهدافها».
قد لا يكون في مواقف تشومسكي تناقض كبير، بل قد تتبدّل مواقفه (شأن مواقف أي كان) بحسب الظروف، ونوع المقاطعة المعتمدة، والاحتكاكات الشخصية بهذا الناشط الفلسطيني أو ذاك (صدّقوني: هذه الاحتكاكات ينبغي ألاّ يستهان بها). لكنه، في كل الأحوال، يبقى إلى يومنا هذا، ورغم تقدّمه في السن، أحد أبرز مَن غيروا في الخارطة الثقافية والفكرية في الولايات المتحدة والغرب والعالم.

* كاتب وعضو «حملة مقاطعة داعمي «اسرائيل» في لبنان»