القاهرة | لم تكن قد تخطت منتصف ثلاثينياتها حين لقّبتها الصحافة بـ«سيدة الشاشة العربية». ما زالت فاتن حمامة (1931) تحتفظ بلقبها بعد أكثر من نصف قرن. برهان جديد على مكانتها يتجلى في تسلّمها الدكتوراه الفخرية من «الجامعة الأميركية في بيروت»، بعد سنوات على تلقيها التكريم نفسه من «الجامعة الأميركية في القاهرة» عام 1999. بين التكريمين، لم تقدّم سوى عمل درامي واحد هو مسلسل «وجه القمر» (2000) للمخرج عادل الأعصر وتأليف ماجدة خير الله. في مسلسلها الأخير، استعادت أحمد رمزي من اعتزاله.


فتى الشاشة القديم رحل العام الماضي. أما حمامة التي أدّت أوّل أدوارها طفلة في «يوم سعيد» (1940)، فتبدو كما لو أنّها اعتزلت من دون إعلان، وارتكنت إلى الصمت أو الراحة، مستندة إلى تاريخ ليس له مثيل.
اعتذرت «السيدة» عن عدم لقاء الرئيس محمد مرسي العام الماضي. لقاء الرئيس جاء محتقناً مع الفنانين خيّمت عليه أولى المواجهات بين الإسلاميين والممثلات. كانت بدايات صراع الداعية السلفي عبد الله بدر مع إلهام شاهين التي اعتذرت بدورها عن عدم اللقاء. في ما بعد، قالت شاهين إنّ «مدام فاتن» حيّتها على صمودها في النزاع الذي امتد إلى القضاء وانتهى بالحكم بحبس بدر. أما حمامة، فبرّرت اعتذارها عن عدم لقاء الرئيس بإصابتها بنزلة برد، اعتذار دبلوماسي كعادتها. وبعده بأشهر، استعادها جمهور المواقع الاجتماعية في مقارنة ساخرة مع الرئيس الذي بدأت تتجلى «قدراته» في اللغة الإنكليزية، إذ انتشر في الآن نفسه فيديو من زمن الأبيض والأسود يُظهر حمامة وهي تجري بطلاقة حواراً مع صحافي فرنسي، أعربت خلاله بلكنتها الموسيقية عن حبها لعاصمة الأنوار، لكنها انتقدت السلوك الفرنسي في الجزائر. عالم قديم وساحر يبدو بعيداً جداً عن المشهد المرتبك في قاهرة اليوم.
لم تزر فاتن بيروت منذ عشر سنوات، لكنّها أيضاً لا تظهر كثيراً في القاهرة، كأنما أدركت بعد تصريحات مرتبكة بخصوص الثورة، أنّ عالماً جديداً يتشكل. تتسلم الدكتوراه الفخرية «لدورها في إثراء الحياة الفنية في المنطقة». هي بالطبع في مقدمة من ينطبق عليهم الوصف بحذافيره، حين اختار النقاد قائمة أهم 100 فيلم مصري في مناسبة مئوية السينما، تربعت حمامة على العرش بثمانية أفلام، وحين زيدت القائمة إلى 150 فيلماً، اعتلتها مرة أخرى بإجمالي 18 فيلماً. شاركت حمامة في مسابقة «كان» مرتين، مع صلاح أبو سيف في «لك يوم يا ظالم» (1952)، ومع يوسف شاهين في «صراع في الوادي» (1954). فيلمها «أريد حلاً» لسعيد مرزوق (1975) أسهم في تعديل قانون الأحوال الشخصية. أما شخصية «آمنة» في «دعاء الكروان» لهنري بركات (1959)، فهي أحد أهم أدوار السينما المصرية طوال تاريخها. دور يعطي كذلك ملمحاً عن تاريخ ممثلة لم تكتف فقط بالعمل مع أهم مخرجي السينما المصرية، بل أهم الأدباء كذلك؛ فمن قصة طه حسين في «دعاء الكروان»، إلى قصة يوسف إدريس في «لا وقت للحب» (1963)، إلى قصة إحسان عبد القدوس «لا تطفئ الشمس» (صلاح أبوسيف ـ 1961)، فضلاً عن المعالجة العربية لرائعة تولستوي «آنا كارنينا» التي قدمتها حمامة أمام عمر الشريف وزكي رستم في «نهر الحب» (1960). أما آخر أفلامها، فهو رائعة داوود عبد السيد «أرض الأحلام» (1993)، غير أن قيمة «سيدة الشاشة» تتجلى في حقيقة أنّ ما سبق كلّه ليس إلا غيضاً من فيض.




تكريم فاتن حمامة: 20:00 مساء اليوم ــ الملعب الأخضر في «الجامعة الأميركية في بيروت» (شارع بليس ــ الحمرا).