إنّها أوّل عملية تسريح جماعي يشهدها القطاع العام في اليونان! لكنّ اليونانيين لم يغرقوا طويلاً في الصدمة التي أحدثها قرار الحكومة المفاجئ الثلاثاء الماضي، الذي قضى بوقف بث هيئة «إي آر تي» العامة للتلفزيون والإذاعة. إذ بدأوا أمس إضراباً عاماً لمدة 24 ساعة استجابة لدعوة نقابتي القطاعين العام والخاص اللتين نددتا بالإغلاق «اللاديمقراطي» الذي يعد بمثابة «الانقلاب». وكان مئات الأشخاص بقوا متجمعين أوّل من أمس أمام مقر الهيئة دعماً للعاملين الذين كان العشرات منهم يحاولون مواصلة إنتاج البرامج وبثها عبر موقع الشبكة الإلكتروني داخل المقر.


نقابة الصحافيين بدورها كانت قد دعت إلى إضراب تضامني لوسائل الإعلام الخاصة، لأنّ «الحكومة مصممة على التضحية بالتلفزيون العام والإذاعة لتلبي طلب دائنيها». قرار الحكومة جاء ضمن خطتها لتقليص الإنفاق العام، وقد يعرّض الائتلاف الحكومي الحالي برئاسة المحافظ أنطونيس ساماراس للخطر بعد حوالى عام على تشكّله لتجنيب البلاد الإفلاس.
وفي بروكسل، نأت المفوضية الأوروبية بنفسها عن قرار الحكومة اليونانية، مشيرة في بيان صدر الأربعاء الماضي إلى أنّه «اتخذ باستقلالية تامة»، ومشددة على أهمية الدور الذي يؤديه قطاع الإعلام المرئي والمسموع الرسمي في الحياة الديموقراطية. وطالب كل من «الاتحاد الأوروبي للإذاعة والتلفزيون» و«جمعية الصحافة الدولية» (تضم المراسلين العاملين في بروكسل) بإعادة فتح «أي آر تي» الستينية التي «تشكّل رمزاً للديمقراطية في بلاد تعرّض فيها الإعلام لقمع شديد إبان الديكتاتورية العسكرية (1967 ــ 1974)». وفي قبرص، دعت نقابة الصحافيين إلى تجمع احتجاجي أمام السفارة اليونانية في نيقوسيا، وسط مخاوف من أن تؤدي الأزمة في الجزيرة إلى إغلاق قناة الإذاعة والتلفزيون العامة «ريك».
لكن لماذا يقدم رئيس حكومة على خطوة خطيرة كهذه وسط المشاكل الكثيرة التي تعاني منها بلاده؟ لا شك في أنّ ساماراس الذي يعرض حصيلة أداء حكومته هذا الأسبوع على ترويكا الدائنين الدوليين لبلاده، أراد إثبات تصميمه على التصدي لهذه الهيئة العامة التي يصفها المتحدث باسم الحكومة بتهكم بأنّها «بقرات مقدسة». هنا، تجدر الإشارة إلى أنّه رغم الانتقادات التي توجّه إلى «إي آر تي» لجهة المحسوبيات والامتيازات وسوء الإدارة، إلا أنّها تحظى باحترام كبير في الأوساط الثقافية لحرفيتها العالية، ولا سيما في مجال الأفلام الوثائقية.
وفي وجه الغضب الشعبي، قدّم المتحدث باسم الحكومة سيموس كيديكوغلو تفاصيل مشروع قانون يقضي بإنشاء «إذاعة وإنترنت وتلفزيون يوناني جديد» تحت اسم «نيريت»، على أن يبدأ البث في نهاية آب (أغسطس) المقبل بفريق عمل يشمل 1200 موظف فقط بدلاً من حوالى 2700 حالياً. منذ بدء أزمة الديون عام 2010، عانى هؤلاء الموظفون من الاقتطاعات المفروضة على أجورهم التي قدرتها النقابات بـ45 في المئة.