بعد سنوات من العمل، استطاع «نادي لكل الناس» ضخّ الحياة في أوردة مارون بغدادي (1950 ــ 1993) من جديد. ابتداءً من اليوم، نحن على موعد مع «أيام مارون بغدادي السينمائية» الذي يترافق مع إطلاق علبة تتضمّن أعماله الروائية الوثائقية (راجع المقال المقابل). لم يكن بغدادي مجرد مخرج حلم بالعالمية وفاز بجوائز عدة أبرزها «جائزة لجنة التحكيم» في «مهرجان كان 1991» عن شريطه «خارج الحياة» (15/6).


لقد كان أحد أبرز كتّاب التاريخ في لبنان ومستشرفي الحرب ورواة فظائعها، حتى أنّ فيلمه الروائي «حروب صغيرة» (1981 ــ 14/6) يعتبر دليلاً على الأهوال التي تُرتكب باسم القضايا، فتبرز أهميته اليوم بعدما بدأت طبول الحرب تدقّ في مختلف أرجاء الوطن. هذا ليس تهويلاً كما لم يكن «بيروت يا بيروت» (10/6) تهويلاً يوم تجرّأ بغدادي على تظهير ما خشي كثيرون من إعلانه قبل أشهر من اشتعال حرب قضت على كل شيء ولم تقض على السينما. على العكس، أفرزت جيلاً جديداً أوّله بغدادي الذي رأى في الحرب حجةً لضرب أسس السينما الكلاسيكية اللبنانية. ثار على السائد، مُطلقاً نمطاً غريباً على الفن السابع الذي كان يعيش تأثيرات السينما التجارية المصرية. مع بغدادي، لم يعد «السكريبت» وحده يرسم الأحداث، بل سلّم المهمة للكاميرا وللممثلين ولاختيار المشاهد. معه بدأنا نشاهد اللقطات الصامتة، وترك الصورة وحدها تتكلم. أكثر من ذلك، لقد عهد بجزء من البطولة الى الجمهور نفسه، مطلقاً أول خطوط السينما التفاعلية أو «الأثر المفتوح» عبر رميه كمية من الصور والأفكار من دون أن يتبعها باستنتاج أو حكم، تاركاً للجمهور التفاعل معها. هذا الأسلوب (بلغ ذروته في «خارج الحياة») جعل بغدادي مفتتح الحقبة الجديدة من السينما اللبنانية كما يقول الناقد والكاتب إبراهيم العريس في كتابه «الحلم المعلّق» الذي سيُعاد اصداره ضمن المهرجان. ما فعله بغدادي أنّه خلق حواراً سينمائياً بينه وبين أقرانه، فتأثر أحدهم بالآخر أمثال برهان علوية الذي حرّضته أعمال بغدادي على «لبننة» أعماله أكثر، ومقاربة الحرب بأسلوب جديد. شكّل مع بغدادي الحجرين الذي قامت عليهما سينما تلك الحقبة. والأمر نفسه انسحب على رندا الشهال، وجوسلين صعب، وجان شمعون، وجان كلود قدسي. كان «بيروت يا بيروت» من الأعمال التي شكلت انطلاقة سينما الواقع اللبنانية بأسلوبها الجديد. بدأنا نرى مزجاً بين اللقطات المصنّعة وتلك المسروقة من الواقع لتضفي صدقية مشهدية كانت مفقودة. ربما كان ذلك نتيجة تأثر بغدادي بالسينما الأوروبية التي كانت البديل النخبوي للسينما الأميركية في عز سيطرتها التجارية. أما فكريّاً، فكانت أعماله متحررة من الاعتبارات السياسية، حتى تلك التي قسمت الفنانين بين تيارين آنذاك. بغدادي لم يراع الفريق السياسي الذي تعاطف معه، بل كان أشد قسوة عليه، حريصاً على نقل الحقائق. لم يكن وحيداً بين السينمائيين «الرؤيويين» آنذاك، لكنه كان أبرزهم. عرف أنّ الحرب مرحلة عابرة، ومهمته هي ملاحقة آثارها ومآسيها. كان مؤرخاً لما هو أبعد من الحدث، وما هو أبعد من الحرب. كان الجهد في بناء شخصيات أعماله مرهقاً، ولعلّه كان من أوائل الذين اختبروا الستانيسلافكية السينمائية بين أقرانه، وعمل على إعداد الممثل قبل منحه الأدوار. هذا ما رأيناه في «خارج الحياة» الذي أهّله بناء شخصياته للفوز بجائزة «كان».
سياسياً، قدم بغدادي السينما السياسية بأسلوبها العلمي، لا بسرد الوقائع ووجهات النظر بل بمفهومها الأعمق عبر تظهير الحراك الاجتماعي والمنظومة القيمية التي قبضت على مفاصلها. هكذا تُفهم الحرب وتجرَّد من العواطف. يبدو ذلك سهلاً بعد انقضاء الحرب، لكن انجازه في عهدها تحدٍّ لكل مخرج. مَن ذلك الذي يستطيع مواجهة كل الميليشيات بأفلامه والصمود أمام ذلك العصف من الايديولوجيات؟ بغدادي كان مهرطقاً بتبنيه المواطنة في بلد تنهشه العصبيات الطائفية، واللاعنف في زمن الرصاص. حتى هذا الالتزام، لم يكن عبثياً، فهو لم يكن منفصلاً عن الواقع. كانت له آراؤه السياسية أيضاً. هذا يظهر في أعماله وأبرزها «تحية إلى كمال جنبلاط» (12/6) و«كلنا للوطن» (11/6). كان مؤمناً بقضايا ولم يؤمن بالأحزاب، والأهم أنّه لم يؤمن بأنّ هناك قضية ــ مهما كانت مقدسة ــ تستحق تدمير الوطن والقتل والذبح من أجلها. مارون بغدادي كم نحتاج إلى أفلامك اليوم!

«أيام مارون بغدادي السينمائية»: ابتداءً من اليوم حتى 15 حزيران (يونيو) ــ «مسرح المدينة» (الحمرا) ــ 01/343101




ندوات

ندوات الحدث: «أصدقاء لمارون عملوا معه» (11/6) مع إبراهيم العريس، حسن داوود، وفؤاد نعيم، و«مارون في ذاكرة عارفيه» (12/6) مع زوجته ثريا بغدادي وشارل غسطين، و«مارون مصوراً الحرب» (13/6) مع سمير فرنجية، إلياس خوري، وفواز طرابلسي، و«تجارب سينمائيين شباب» (14/6) مع هادي زكاك، وميشال كمون وإيلي خليفة.