برحيله المفجع منذ عشرين عاماً، انطوت قبل أوانها حكاية جيل لم يقل كلمته الأخيرة. إنه جيل «الأحلام المعلّقة»، من وحي عنوان كتاب لإبراهيم العريس عن تجربة الراحل. شارك في كتابة مرحلة أساسيّة من تاريخنا السياسي والثقافي، واستقال من دون أن يصل إلى نهاية مشروعه. صاحب «خارج الحياة» تماهى مع بيروت مدينة الحرب التي رواها وصوّرها في أفلامه الروائيّة والتسجيليّة، ثم تخاصم معها وحملها إلى باريس، لعنة مضيئة نقلها إلى جان بول مارا.


وذات يوم عاد مارون بغدادي إلى بيروت ليتصالح معها عبر تحقيق فيلم عن الغفران. حملته أوهام الحريريّة، في زمن السلم القسري والجمهوريّة الثانية، فكان أن قفز «خارج الحياة». تلك «القفزة» الملتبسة رأى فيها صديقه جوزف سماحة «قضاءً لا قدراً» (الجديد)، ومجازاً عن نهاية المشروع اليساري. كلماته أمام كاميرا فيم فندرز في «الغرفة ٦٦٦» من فندق مارتينيز خلال «مهرجان كان»، حيث جاء يقدّم «حروب صغيرة»، لها اليوم وقع خاص: «لفرط انخراطنا في تصوير الحياة، ننسى أن نعيشها». كان ذلك في ربيع ١٩٨٢، عشيّة الاجتياح الاسرائيلي للبنان. بعدها بأكثر من عقد، ترك لنا السؤال ومضى. واليوم إذ نحيي ذكرى السينمائي في مدينة فقدت نقاط ارتكازها القديمة، نستعيد ذلك السؤال. نستعيد حياته وأعماله بحثاً عن كلمات ووجوه نسيناها، عن إشارات فاتتنا، عمّا تبقّى من ذلك المشروع المؤجّل… عن وصفة (سحريّة) لزمن الصراعات المصيريّة والخيارات الصعبة.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]