عندما أُعلن عن إطلاق فيلم «النبي» المقتبس عن كتاب جبران خليل جبران الشهير في الصالات، تأملنا خيراً، خصوصاً أنّ الفيلم لا يحمل توقيع مخرج لبناني تأثّر بصاحب «العواصف»، فقرر تكريمه سينمائياً. هو عمل أراده المخرج البريطاني غاري تارن مدخلاً للجمهور العريض الى أدب الكاتب الذي تُرجم كتابه الى عشرات اللغات. لكن هل فعلاً يحاكي الشريط طموح اللبنانيين؟


إنّه لأمر محبط أن يشاهد المرء فيلماً عن نص جبران الأشهر، وهو وحيد في الصالة. إنّه حكم إعدام شعبي على فيلم أريد له أن يعرّف الجمهور على رجل قيل الكثير في نتاجه الفكري سلباً وايجاباً. كتاب «النبي» هو تحفة جبران كما يقول محبّوه، والدليل القاطع على تأثره إلى حد الاستنساخ بنيتشه كما يعتقد كارهوه. هل الفيلم سيئ الى هذه الدرجة؟ هل يستحق كل هذا الفشل في أسابيع عرضه الأولى رغم الحملات الاعلانية التي رافقته؟
ربما من الظلم أن نحمّل مسؤولية هذا الفشل إلى الكاتب وحده. المخرج البريطاني مسؤول أيضاً لأنّه صنع فيلماً فشل في امتحان عرضه في إطار تجاري تقليدي، بل ربما ينفع أن يكون عملاً للتلفزيون على الأكثر.
المشكلة الاساسية في الشريط تكمن في تركيبته. هو لم يأخذ النص ليعيد تمثيله. إنّه كولاج بصري لصور اتخذت من شتى أنحاء العالم لترافق نص الرواية الذي يتلى كاملاً بصوت الممثلة ثاندي نيوتن. صوتها العذب ونص الرواية يقترب لأن يكون محاكاة لكتاب مقدس يشدّ المشاهدين لدقائق معدودة، قبل أن يدخل في دوامة من الملل والرتابة. لا تشويق في الفيلم، ولا تنوع في اللقطات التي تصبح بعد لحظات استنساخاً عن بعضها. يصبح الشريط بذلك عملاً تجريبياً، كان لينجح لو قُدِّم كفيلم قصير أو كفيلم مرافق في أحد المهرجانات التي تحتمل أفلاماً مماثلة أُنجزت لتكون نخبوية. لكن بالتأكيد لا يجذب جمهوراً يبحث عن حبكة روائية متماسكة، وعن أحداث وعقد متكاملة. لكن أيّ مادة تقدم لمن سبق أن قرأ الكتاب وحفظ فصوله؟ مَن هو ذاك المتحمّس لقراءة الرواية في صالة سينمائية بدلاً من أن يشاهدها؟ من الذي يرغب في الاستماع الى نص تبشيري بطابعه ولو كان مليئاً بالصور الأدبية؟ جمهور اليوم واقعي أكثر من طوباوية «النبي». إنّه جمهور لا تشده كثيراً الأعمال التأملية التي تستهدف جمهوراً يبحث عن «الصلاة» في السينما اكثر من الترفيه. فعلى من تقرأ مزاميرك أيّها «النبي»؟
رغم كل ما سبق، يُحسب للفيلم موسيقاه التصويرية الرائعة التي رافقت المشاهد. إنّها الموسيقى التي وضعها المخرج بنفسه وأرادها «عرض عضلات» لقدراته في التأليف الموسيقي. ويُحسب للمخرج أيضاً المجهود الذي بذله في تصوير مشاهد في صربيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة وبيروت، لتحاكي النص المكتوب. إنّه جهد جبّار ضاع في النمط الرتيب. لكنّ هذا كله لم ينجح في إنقاذ العمل من خيبته. ولم ينجح بطبيعة الحال في استدراج الجمهور الى القاعة.
المخرج الذي قدم للسينما أعمالاً راقية مثل وثائقي «الشمس السوداء» الذي حاز إحدى جوائز «بافتا»، بدا كأنّه لم يستطلع جيداً ذوق المشاهد اللبناني، ورغبته الحقيقية في مشاهدة فيلم «النبي» بأسلوب مغاير. لكنّه تمسّك بأسلوبه. وقدم عملاً برؤيته الفنية الخالصة التي ربما أرضته، لكنّه لم يرض مَن توجّه اليهم. خيّبت أرقام شباك التذاكر أمله في نيل ثقتهم... فهل ينجح في الأسابيع المقبلة في إذابة الجليد بينه وبين الجمهور اللبناني، فيعترف الأخير بالجهد الكبير الواضح في العمل؟ لننتظر ونرَ النتيجة.




The Prophet: صالة «أمبير صوفيل» ــ للاستعلام: 01/204080