غالينا فيشنفسكايا، فولفغانغ سافاليش، ماري ــ كلير ألان، فان كليبورن، دونالد بيرد، كولن دايفس وريتشي هافنز... وغيرهم. شخصيات موسيقية غربية، تراوحت مساهماتها الفنية بين مهمة وأسطورية، رحلت بين كانون الأول (ديسمبر) من العام المنصرم وحتى كتابة هذه السطور. أغلبية الصحافة العربية، لم تورد ولو خبراً عابراً عن وفاة أي من هذه الأسماء. هكذا هو زمننا. ماذا لو رحلت إحدى «أرتيستات» الغناء العربي أو ليدي غاغا أو جاستن بيبير؟ بالتأكيد ستشتعل وسائل الإعلام...


وأيضاً، وخصوصاً، وسائل التواصل الاجتماعي التي ستتهافت لنقل الخبر مرفقاً بتعليق، سلبي أو إيجابي. بمعنى آخر، جزءٌ (كبير على ما يبدو) من الجمهور متهافتٌ على التفاهة، والإعلام لا يرى ضرورة في تصويب اعوجاجٍ ساهَمَ هو في إرسائه.
إذاً، ولمّا كان التوقف عند رحيل كلّ موسيقي كبير أمراً «غريباً»، قررنا إنصاف الراحلين في مقالة رثائية... «جَماعية»، مع الإشارة إلى أن نصفهم، على الأقل، يستحق التوقف طويلاً عند تجربته. نبدأ من الخسارة الأكبر، قائد الأوركسترا الإنكليزي كولن دايفس (1927 ـــ 2013)، الذي رحل في 14 الجاري، تاركاً تسجيلات لا تحصى، لروائع أبدع في أدائها، بشكلٍ خاص لموزار وبرليوز ومندلسون وهايدن وباخ. عام 2010، تعرَّض القائد الختيار لأبشع أنواع الإهانات، عندما «ألصِق» به سبب تأخير انطلاق الأمسية التي قدّمها ضمن «مهرجان أبو ظبي للموسيقى والفنون»، إذ أعلن المنظمون أنه توعّك قليلاً، وسيطلّ على المسرح فور تعافيه. أما السبب الحقيقي، فكان انتظار وصول أحد أصحاب السمو، من «عشّاق الموسيقى الكلاسيكية»! يومها، أطل القائد الثمانيني مبتسماً، واستهل بافتتاحية «عرس فيغارو»، معتبراً ربما أن لا شيء يثنيه عن خدمة موزار... حتى المسّ بكرامته الشخصية. هكذا يكون الكبار ويخلدون. أما الصغار فتراهم في الصفوف الأمامية متثائبين.
أيضاً في فئة قيادة الأوركسترا، رحل منذ نحو شهرين الألماني الكبير فولفغانغ سافاليش (1923 – 2013) الذي يمكن اختصار مسيرته الحافلة بمساهمتين أساسيّتين: الأولى في مجال الأوبرا، إذ تخصَّص بـ«الريشارَيْن» الألمانيَّيْن، فاغنر وشترواس وكذلك بموزار وفيردي وغيرهم. الثانية تتمثل في تسجيل اعتُبِر ولا يزال مرجعاً لم يخفت بريقه منذ أربعين عاماً، أي سيمفونيات روبرت شومان الأربع (تسجيلٌ نصحنا به في ملفنا عن المؤلف الألماني في 2010).
نبقى في الموسيقى الكلاسيكية، وهذه المرة في عالم العزف على البيانو الذي خسِر الأميركي فان كليبورن (1934 - 2013). كليبورن لا يُتداول اسمه كثيراً إلا عندما يُعاد إصدار أحد تسجيلاته المهمّة، أو عند إعلان الفائزين بالجائزة التي أسسها وتحمل اسمه. لكليبورن تسجيلات قليلة نسبياً، يبقى أهمها ما اختبره في العالم الموسيقي الروسي، وتحديداً أداؤه لكونشرتوهات من عند رخمانينوف (رقم 2 و3) وتشايكوفسكي (رقم 1).
في فرنسا، رحلت عميدة عازفي الأورغ الكنسي، المرأة الأسطورة ماري ــ كلير آلان (1926 – 2013)، التي لا يعرفها كثيرون لسبب وحيد هو انحسار الاهتمام العام بالأعمال التي كُتِبَت لهذه الآلة الرهيبة، باستثناء بعض ما أبدع باخ. تسجيلاتها كثيرة (من باخ وهاندل إلى المدرسة الفرنسية المعاصرة) وكذلك أمسياتها التي تعدّ بالآلاف! ومن عالم الغناء الأوبرالي، رحلت كبيرة المغنيات الروسيات، زوجة أسطورة التشيلّو روستروبوفيتش، غالينا فيشنيفسكايا (1926 – 2012). ببساطة، كل ما تقعون عليه من تسجيلات لأغنيات أو مقتطفات أوبرالية روسية (موسورغسكي، ريمسكي _ كورساكوف، شوستاكوفيتش،...) هو مرجعٌ مطلق لا جدال حوله، حيث يرافقها في بعضها شريكها... لكن كقائد أوركسترا.
من خارج العالم الكلاسيكي، خسرت موسيقى الفانك خصوصاً، والجاز عموماً، عازف الترومبت الشهير دونالد بيرد (1932 – 2013). لا ضرورة لسرد مساهماته مؤلفاً أو عازفاً في هذا المجال، فالأمر ببساطة شبه مستحيل. ديسكوغرافيا الموسيقي الراحل هي مكتبة موسيقية بحد ذاتها، بين ما نُشِر باسمه أو ما ورد اسمه مساهماً في تنفيذه. وأخيراً، كان للفولك الأميركي حصة في الخسارة، إذ توفي رمزٌ اشتهر أواخر الستينيات وفي السبعينيات، وتحديداً من خلال مشاركته في «وودستوك» (1969)... إنه المغني وعازف الغيتار ريتشي هافنز (1941 ــ 2013).