لا يتوقف صلاح فائق عن صناعة الصور والاستعارات الغريبة والمدهشة في ديوانه «دببة في مأتم» (الجمل). اختفى الشاعر العراقي لأكثر من عقدين في الفيليبين، وها هو يظهر مجدداً بمعجمه اللغوي الثري وسرياليته المحببّة التي كانت جزءاً من تجربته الطليعية إلى جوار تجارب أقرانه في «جماعة كركوك»، وخصوصاً سركون بولص الأقرب روحياً ولغوياً إليه.


مزج صاحب «رهائن» بين غنائيةٍ منضبطة ومخيلة قادرة على خرق الغناء بصورٍ تأخذ الشعر إلى أرضٍ مجهولة، حيث يطيب للشاعر أن يمتدح عزلته المسكونة بحيواناتٍ وطيور وضيوفٍ غريبي الأطوار. الغرابة لا تأتي من هذه المساكنة السريالية فقط، بل من ممارسة شعرية تحوّل كل ذلك إلى شعرٍ مقطّر. هكذا، نقرأ عن «زرافة تبكي في محكمة»، و«ضبعٍ يخدمُ امرأةً تلدُ في شقة»، و«راهبٍ يطاردُ قططاً حول كنيسة»، لكن الشاعر لا يكتفي بهذه المفارقات ذات الصلاحية الشعرية القصيرة المدى. الشعر مدسوسٌ تحت هذه القشرة الغرائبية التي تستدرج القارئ إلى شعرٍ يطلّ على العالم والأشياء من زاوية منحرفة وشديدة الخصوصية، بينما العالم نفسه يحظى بفرصة التخلص من ظهوره الروتيني المتكرر في أغلب ما نقرأه. هكذا، تتجاور مقاطع من الشعر الصافي مثل «في ريفٍ جميل/ قطارٌ قديمٌ ومهجور/ حوله يدور عميان ينشدون/ وقد تدَمتْ أكفّهم من طرقِ الأبواب»، مع مقاطع تتسيّدها سخرية عذبة مثل «دخلتُ مقهىً/ وجدتُ لينين واقفاً يدخن أمام تلفزيون/ التفتَ، رآني، صرخ: أنتَ هنا أيضاً؟/ فخرجتُ لأتفادى لسانه السليط ودخانه الخانق». السخرية ذاتها حاضرة بممارسات مختلفة تتحول إلى «وصفة» سرية لإنعاش الخيال الشخصي، وإحياء مشهديات وأفكار (نظنّ أنها) غير صالحة للإقامة في قصيدة: «ذهبتُ إلى مهرّبين في هور/ رجوتُهم أن يقوموا بمهام في قصائدي المقبلة/ فرفضوا/ حين ابتعدتُ/ سمعتهم يقهقهون ويسخرون مني».
اللافت في هذه الطرافة المنبعثة من هذه الكتابة أنها لا تبقى في حدود الطرافة، بل تتراكم وتتصفّى وتتحول إلى فن شخصي، حيث يستطيع صاحب «تلك البلاد» أن «يسمع نقراً على شبّاكه/ يفتحُهُ/ لقلقٌ في منقاره سمكة/ - ما هذه؟/ - هدية»، وحيث يمكنه أن يزعم أن «لي نصيبي من غابات الصنوبر/ ومن تحليق نسورٍ فوقها/ أهلي عاشوا تحت الأرض/ وفي الأعياد/ توّجوا رأسي بأزهار».
أن تكون «النسور» و«الأزهار» نكرةً ومحرومةً من أل التعريف في المقطع السابق، هو جزء من استراتيجية شعرية تؤمّن نوعاً من الحيادية والدقة لهذا الشعر المكتوب ضد العاطفة المفرطة والغناء الساذج. الحضور السريالي للحيوانات يعزّز هذه الحيادية، بينما تصبح كل فكرة غريبة مشروعاً لتجديد عافية هذه الكتابة التي يحب الشاعر أن تكون «مثل أكاذيب مناضلين في مجلة/ مثل عصافير تتسلق قامتي/ مثل تماثيل تشتمُ مراهقين في حديقة».