بيتر سيلرز في لبنان! ليست المرة الأولى التي يزور فيها المسرحي العالمي بيروت. في ٢٠١٠، حازت مايا زبيب جائزة «روليكس مانتور ــ بروتيجيه»، فتعرفت إلى المخرج الأميركي الذي قام بزيارته الأولى للعاصمة اللبنانية في العام نفسه، وتبعتها زيارة ثانية عام ٢٠١١، حيث عرّفته الفرقة إلى المسارح والفنانين العاملين في بيروت. يومها، تعرف أيضاً إلى القائمين على «الجامعة الأميركية في بيروت».


تواصل بقي مستمراً ليتطور إلى الزيارة الحالية المترجمة في لقاء اليوم في قاعة «مونتاني» في «المعهد الفرنسي في بيروت» ضمن مشروع «أرصفة زقاق» الذي تنظمه الفرقة شهرياً. ثم سيزور الجامعة الأميركية حيث يلتقي بالتلاميذ ويقدم عروضاً لأعماله على الشاشة (15/4) ومحاضرة (١٦/4) ثم لقاء مفتوح (17/4).
يعتبر بيتر سيلرز من أهم مخرجي المسرح وعروض الأوبرا الكلاسيكية والمعاصرة. يعود ذلك إلى أسلوبه الخاص في إعادة صياغة أعمال كلاسيكية لشكسبير وسوفوكليس وموزار ضمن رؤية إخراجية معاصرة. يعيد تركيب سياقات الشخصيات والأماكن لتحاكي العصر الحالي، مستعيناً بوسائل العرض الحديثة والمتعددة التخصصات. أما الأهم فهو أنّ أعمال سيلرز ذات التزام سياسي واجتماعي كبير مرتبط بنقد الرأسمالية والديموقراطية الزائفة والعنصرية، وللاقتصاد والصناعة الغذائية حيّز كبير من طروحاته الفنية.
ولد سيلرز (١٩٥٧) في بيتسبرغ في بنسلفانيا، وتخرج في «جامعة هارفرد»، حيث قدّم أول عروضه مع أوبرا «أنطونيو وكليوباترا» داخل حوض سباحة. من هارفرد، انتقل إلى الصين والهند واليابان حيث واصل دراسته. أصبح مديراً لـ«فرقة شكسبير» في بوسطن، قبل أن يعيّن عام ١٩٨٤ مديراً فنيّاً للمسرح الوطني الأميركي في «مركز جون كينيدي لفنون العرض» في واشنطن، وهو في السادسة والعشرين. في تلك الفترة، قدم عروضاً عديدة، منها «الكونت دي مونتي كريستو» عن نص جيمس أونيل. إلّا أن اقتباسه لنص «أجاكس» لسوفوكليس عام ١٩٨٦ كان انطلاقته إلى العالمية، إثر دعوته للعمل في أوروبا.
بعد ذلك، قدم عروضاً أوبرالية لموزار مثل «عرس فيغارو»، و«دون جيوفاني». وفي عام ١٩٩٣، قدم «الفرس» عن نص أخيلوس، حيث عمد الى اقتباس النص الإغريقي الكلاسيكي ليحاكي حرب الخليج الأولى والدور الأميركي فيها. من أعماله الشهيرة أيضاً «تاجر البندقية» (١٩٩٤) عن نص شكسبير الذي عرض في كاليفورنيا الجنوبية مع مجموعة من الممثلين السود والبيض واللاتينيين والآسيويين الأميركيين. وأخرج «أبناء هرقل» (٢٠٠٣) ليوربيدس مركّزاً فيها على الهجرة المعاصرة وقضايا اللاجئين وتجاربهم. وفي عام ٢٠٠٩، قدم «عطيل» حيث حاول إعادة طرح الإمكانيات والاحتمالات الجديدة في وجه التمييز العنصري في زمن انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، ليعود في ٢٠١١ إلى نصّ شكسبير «عطيل» مرة أخرى، ويقدمه تحت عنوان «ديزدمونه» الذي تعاون فيه مع الكاتبة صاحبة «نوبل» توني موريسون والموسيقية والمغنية الماليّة رقية تراوري. التعاون الأبرز لسيلرز كان مع المؤلف الموسيقي جون آدامز. أخرج سيلرز مسرحية إذاعية لموسيقى آدامز مرافقة لشعر جون جوردان «كنت أنظر إلى السقف ورأيت السماء» (١٩٩٥). كما عملا معاً على «دكتور أتوميك» (٢٠٠٥) التي تناولت التوتر والقلق الذي عاشه أهل مختبر «لوس ألاموس» في نيو مكسيكو خلال تجارب القنبلة النووية الأولى عام ١٩٤٥. كذلك، قدم أوبرا «نيكسون في الصين» للمرة الأولى عام ١٩٨٧، ثم عام ٢٠١١ مع «نيويورك متروبوليتان أوبرا»، وتناولت اللقاء الشهير بين نيكسون وماو تسي تونغ عام ١٩٧٢. كتب آدامز العمل نزولاً عند طلب سيلرز الذي رغب في إنتاج أوبرا تتشكّل عناصرها من التاريخ الحديث بعكس أغلبية نصوص الأوبرا. أراد أن يلقي الضوء على زوجتي نيكسون وتسي تونغ اللتين تظهران في جميع صور اللقاء الشهير، لكنهما لا تذكران في السياق التاريخي.
أما حالياً، فينكب الثنائي على تحضير عرض جديد بعنوان «الإنجيل بحسب مريم الأخرى» في أميركا وأوروبا. إنّه عرض أوبرا عن قصص مقتبسة عن الإنجيل حول قصة أليعازر وآلام المسيح، ويقول سيلرز عنه إنّه «ليس عرضاً يمكن أن تشاهده في كاتدرائية». تاريخ سيلرز الحافل شهد تقديم عروضه في مختلف مهرجانات العالم وعواصمه، وإدارة مهرجانات كثيرة، ونال جوائز عدة عن أعماله التي «مزجت تقاليد الثقافتين الأميركية والأوروبية في الأوبرا والمسرح» (بيان جائزة إيراسموس) وتكريماً لهذا «الرجل الذي قدّم مساهمة جبّارة في جمال العالم وسعادة البشرية وفهم معنى الحياة» (بيان جائزة «دوروثي وليليان غيش»).
الليلة، بيتر سيلرز في بيروت لملاقاة الجمهور والتحدّث في أعماله، وخصوصاً موضوعه الأثير «الالتزام السياسي والاجتماعي عبر الفن». أولى سيلرز اهتماماً كبيراً لما يحدث في العالم العربي منذ سنوات. في لقاء أجراه في جنوب أفريقيا مع مايا زبيب والجمهور، توسع النقاش ليطال الفنانين السوريين في لبنان اليوم، ودور الفن في ظل الأحداث الجارية... فماذا لدى المخرج الذي لم يفصل يوماً بين السياسة والفن في أعماله، ليقوله اليوم عن دور الفن والفنانين في المنطقة العربية؟ للأسف، لن نستطيع استقبال أعماله الأوبرالية في لبنان قريباً ما دام حلم إنشاء دار أوبرا بعيد المنال، لكن على الأقل نحن على موعد الليلة مع لقاء مشوّق في صالة «مونتاني»، ولاحقاً في الجامعة الأميركية، مع بيتر سيلرز لنسمعه ونتناقش معه.




محاضرة بيتر سيلرز ضمن «أرصفة زقاق»: 7:00 مساء اليوم ــ صالة «مونتاني»، «المعهد الفرنسي في بيروت» ــ www.zoukak.org
لقاءات في «الجامعة الأميركية في بيروت: 15 و16و17 نيسان (أبريل) ــ
للاستعلام: 01/759685