القاهرة | رغم محاولات عدّة، لا يكتب النجاح للفيلم المصوّر لحوادث الاعتداء الجنسي الجماعي في مصر. كذلك، لا تصل الكاميرات إلى مواقع الجرائم الطائفية إلا بعد وقوعها، وتكون النتيجة عبارة عن ردود فعل الناس تجاه الفيلم. لكنّ صدمةً بالغة خلّفها شريط الفيديو القصير والمؤلم الذي عرض أول من أمس لساعات على يوتيوب، قبل أن يتم حذفه. يصوّر الفيلم اعتداءً جنسياً جماعياً ــ وسط التهليل والتكبير ــ على فتاة في إحدى قرى مصر، وحمل عنوانProud Muslims raping Coptic Christians in Egypt in the day time.


جاءت خطورة الفيديو من كونه جمع ثلاث صدمات معاً: الاعتداء الجنسي الجماعي، والهتاف الطائفي، وبعض الشعارات الدينية التي رافقت عملية الاعتداء. فقد كانت عملية إنكار ما يتضمّنه الفيلم في أقصى تجلياتها، اتهمت الفيديو بالتزوير أو الفبركة أو التخطيط لإثارة الفتن، قبل أن يجد هواة الإنكار ضالتهم حين اتضحت الحقيقة. تبيّن أن الفيديو يعود إلى 2009، وسط أحداث فتنة طائفية حدثت في إحدى قرى أسيوط في صعيد مصر. هكذا، نُسي كل شيء حول الجريمة، وصار اتهام الفيديو بأنه قديم هو المهيمن على موجات إنكاره. كأنما كون الفيديو قديماً، سبب كاف لتناسي الجريمة وضحيتها، بدلاً من أن يكون دافعاً إلى مطاردة الجناة ومعاقبتهم. تتضح المفارقة أكثر، عند تذكّر حقيقة أن هذا يدور في منطقة لا تزال تُهيمن على حاضرها صراعات مذهبية تعود إلى مئات السنين. منطقة تعوّدت ألا تنسى عداوات الأجداد والأسلاف، لا جرائم عام 2009.
لا شيء يُحذف حقاً في زمن الإنترنت. سرعان ما عاد ذلك الفيديو مراراً وتكراراً في عناوين مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي ليثير الجدل والألم معاً. لكنه ـــ أثناء ذلك ـــ يرسخ الحقائق بالتدريج. فمن كان يشكّك بجرائم الاعتداء الجنسي الجماعية في ميدان التحرير، وجد أنّ تلك الجرائم يمكن ـــ من حيث المبدأ ـــ أن تحدث. ومَن كان يبرّئ الشعار الإسلاموي من كراهية الآخر، سمع بأذنيه الهتافات الدينية تتردّد أثناء الاعتداء. ومن وجد أنّ انتماء الفيديو لزمن النظام السابق يعني تبرئة حكم الإسلاميين، رأى أنّ هجوم الإسلاميين في مواقع التواصل على الأقباط قد تصاعد، ولاحظ أنّ جريمة الفيديو لم تستفزهم بحدّ ذاتها، وإنما استفزّهم إمكان استغلالها ضدهم!
لكن، كما يسمح الإنترنت ومواقع التواصل بعرض الحقائق ونشرها على نطاق واسع، فإن الطبيعة السريعة المتغيّرة لتلك المواقع سرعان ما تترك القضية لتنتقل إلى غيرها. هكذا انشغل القائمون على الفايسبوك في الصباح بعرض الفيديو المأسوي، قبل أن ينشغلوا في المساء بالردّ على كاتب قطريّ هاجم مصر رداً على مقدم برنامج «البرنامج» باسم يوسف. كما أنّ حذف الفيديو أثار نقاشاً حول حقوق المستخدمين وحقوق الضحايا. بين من رأى في نشر الفيديو إساءة إلى ضحيته المكشوفة بالإجبار، ومن رأى أنّ الجريمة أكبر من أن تُخفى تحت أي ذريعة، نقاش دائم في العالم العربي المعاصر، وجدل يحرّكه النطاق الواسع للجرائم التي ترتكب فيه. جرائم تنتمي وحشيتها إلى عصور ما قبل اتفاقيات المستخدمين على يوتيوب. لقطات من أزمنة فاشية، سرعان ما يحذفها العالم «المتحضّر»، فلا يبكي الجريمة سوى ضحاياها.

http://eipr.org/report/2010/02/07/511/515

https://twitter.com/ishakassaad