اختيار عمل أجنبي للترجمة إلى لغة أخرى من أولى خطوات استقباله في بيئته الثقافية الجديدة. هذا الاختيار يجب أن يكون منصباً على الحاجة الثقافية للبيئة الهدف، مستنداً إلى ظروفها التاريخية والسياسية والاجتماعية. عرف القارئ العربي الكاتب النمساوي شتيفان زفايغ (1881ـــ 1942) من خلال أعماله السيرية التي كانت فاتحة تلقيه عربياً مع سيرة «تولستوي» (ترجمه فؤاد أيوب عام 1942) و«نابليون» و«بسمارك». كذلك عرفناه قاصاً، تنافس مترجمون عدة على ترجمة أعماله القصصية مثل «رسالة من امرأة مجهولة» و«لاعب الشطرنج» و«24 ساعة من حياة امرأة».

واليوم، يطالعنا الكاتب اللبناني فارس يواكيم بترجمة لكتاب «عنف الدكتاتورية» الذي أهمله المترجمون خلال موجة تلقي زفايغ التي انحسرت في سبعينيات القرن الماضي. ورغم المضامين الثقافية الغريبة عن ثقافة القارئ العربي، إلا أنّ الترجمة أتت سلسة، موضحةً بالإحالات الكثيرة التي زود بها المترجم النص العربي عن خبايا نص زفايغ الواضحة للقارئ الأوروبي.

بأسلوب مشوّق، يقود الكتاب القارئ إلى السنوات المضطربة التي بدأت فيها حركة الإصلاح الأوروبي، وتحديداً في جنيف حيث نجح الداعية كالفن الفرنسي المهاجر في أن يلزم سكان المدينة في أيار (مايو) عام 1536بقَسَم وضع بنوده وفق رؤيته للإصلاح. ولم يلتفت سكان المدينة إلا في وقت متأخر إلى أنّ التزامهم هذا القَسَم يعني هجرهم لكل متع هذه الدنيا، خوفاً من التجاسر والخروج على «تعاليمه» الكنسية.
وإذا ما أقدم أحدهم على ذلك، «فهذا يجعله في نظر كالفن عدواً لدوداً، وبالتالي عدواً عالمياً، قل عدو الله» (ص 41)، وهذا ما اضطرهم في النهاية إلى طرده من مدينتهم بعد عامين. لكن بعد الفوضى التي عمّت المدينة في غيابه، أعادوه بعد أشهر قليلة. تقلبات الإنسان وتوقه إلى النظام والوعي من جانب، وانغماسه في متع الحياة الدنيوية وما يرتبط بها من تأنيب للضمير من جانب آخر، كلها تمثل قوى غذّت سلطة كالفن بلا حدود. وتحولت بذلك جمهورية الحرية في جنيف إلى قبلة جديدة للبروتستانتية، إلى دولة دينية استبدادية، تعاقب كل من يخرج عن «تعاليمها المقدسة» بالموت.
لكنّ «الخوف من الدكتاتور لا يعني على الإطلاق أنّ المرء يحبّه، والذي يخضع ظاهرياً للسلطة الإرهابية لا يعترف بالضرورة بعدالتها» (ص 71)، فالأحرار من أصحاب الضمير الحي مثل مدير المدرسة كاستيليو الذين ثاروا على هذه الدكتاتورية، ونجوا من خلال نفيهم من المدينة. على العكس من ذلك كان مصير رجل الدين ميغيل سيرفيت. بعد سنوات قليلة على إصدار كالفن كتابه «تعاليم الديانة المسيحية»، كتب سيرفيت عمله التعليمي «تصحيح المسيحية» الذي أثار سخط محاكم التفتيش الكاثوليكية وكنّاس الإصلاح في ألمانيا وسويسرا على حد سواء. تخفّى سيرفيت. وبعد سنوات من التنقل بأسماء مستعارة، أصبح طبيباً خاصاً لكبير أساقفة فيينا بولمير. يظهر سيرفيت في جنيف هذه المرة ويُحكم عليه بالموت بتحريض من كالفن، فيُحرق حياً على أبواب المدينة.
لكن مقتله يبقى علامة بارزة على طريق حركة الإصلاح في أوروبا. يحاول كاستيليو الذي هرب في هذه الأثناء إلى واحة الحرية الباقية في بازل أن يتصدى من خلال كتاباته لآراء كالفن، لكن الأخير يعتم عليها من خلال الرقابة على نشرها، ويرسل أتباعه من أجل الدعوة إلى محاكمة كاستيليو بتهمة الهرطقة، غير أنّ الأخير يموت فجأة عام 1563 عن عمر 48 عاماً. وتُنسى جريمة كالفن بحق سيرفيت بعدها وتنطلق بعثات كالفن التبشيرية لنشر الظلام في أرجاء أوروبا.
هذه الرحلة التاريخية التي لجأ إليها زفايغ حين وضع كتابه هذا عام 1936، أي بعد ثلاثة أعوام من تولي النازيين مقاليد الحكم في ألمانيا، كانت إشارة إلى صعود هتلر إلى الحكم. كالفن ليس سوى هتلر آخر. شهد الكاتب برعب انتشار الفاشية وأراد أن يلفت انتباه كل الصامتين إلى التعصب والإيديولوجيات العنصرية التي بدأت تجتاح أوروبا. بكلّ أساليب تجبّره وطغيانه، يرمز كالفن إلى عداء الإنسانية، مقابل الدعوة إلى الحوار السلمي ونبذ العنف واحترام الإنسان المتمثل في كاستيليو. هذه الرسالة التي ضمّنها زفايغ مقدمة كتابه: «هذه الحدود الفاصلة الضرورية دائماً، لم يبق شعب ما، وزمان ما، ومفكرون ما في منأى عنها. ذلك أن الحرية غير ممكنة من دون السلطة (وإلا حلت الفوضى) والسلطة غير ممكنة من دون الحرية (وإلا ساد الطغيان)» (ص 17).
إذا كانت هذه المعادلة التي لم تتكافأ في زمن زفايغ، فإنّ عدم تكافؤها يعاد من جديد وقت صدور ترجمته التي أتت مع زمن ربيع فرحنا له وأنشدنا كل أغانينا لأول براعمه. لكنه ما برح أن أتى إلى سدة الحكم بمن كانوا بالأمس يملؤون الدنيا بمطالب الحرية والتسامح.
إنه فقط أسلوب من أساليب القبض على الدولة بمجمل مفاصلها: الوعود البراقة. حالما بات مظلوم الأمس في سدة الحكم، لبس قناع الظالم نفسه ونهج نهجه. مَن أوصلهم بالأمس إلى كراسي جمهورياتنا الوراثية الحكم وتيقظ إلى أنهم ليسوا سوى تلاميذ جدد من مدرسة الطغاة، حتى بات اليوم «فلولاً» وخارجاً عن القانون، يُكتب اليوم بتفاصيل قانون الأمس، ولكن هذه المرة باسم الله، لا باسم العرق والقومية. وما دام القانون يكتب باسم الله، يكفي انتقاد واحد له للزجّ في محرقة المارقين التي انتهى إليها مصير سيرفيت.
إنها الحلقة الأولى من سيناريو الإيديولوجيات الحاكمة الجديدة القائمة على نبذ الآخر بعنوان المقدس، تُكمم فيها الأفواه بالكذب تارة، وطوراً بمحاكمات كالفن بتهمة «انتقاد الرئيس وإهانته» و«السخرية» من مقدس قوانينهم، انتصاراً لحقيقة واحد أُجبرنا على اعتناقها بالأمس باسم القومية، واليوم تفرض علينا باسم الله، رغم أن عالمنا يتسع لأكثر من حقيقة، لا لحقيقة واحدة فقط، يأتينا بها كالفن تارة بلباس «الزعيم»، وتارة بعباءة «المرشد» ليغسل الشعب بـ«ماء السماء الطهور».
لكنها حقيقة تقوض حرياتنا في أدق تفاصيل حياتنا وصولاً إلى فراش نومنا، رغم أنّ «الحرية كل الحرية هي طريقة التفكير المغايرة»، كما تقول روزا لوكسمبورغ. النار التي أحرقت سيرفيت وصلت شرارتها لتحرق بائع الخضار في تونس لتتهاوى عروش طغاة الأمس، لكنّ الجدد لم يأتونا بالحرية بعد. ما زالت هذه الحرية فكرة في مخيلتنا، فكرة أتت ممهورة بالدم و«الدم يلوث كل فكرة، كما يحط العنف من قدر كل رأي» (ص 156)، كما يقول زفايغ.
أين نحن اليوم من هذه الحرية، إذا كان مجرد عدم التصويت لمرشحي كالفن «الربيعوي» يعني خلوداً في نار جهنم؟ وبأي الأساليب يعمل هؤلاء على اللجوء إلى العنف بغية ضبط وتوحيد لون ذوي الآراء الأخرى؟ أسئلة قد نجمع شذرات من الإجابة عنها في الكتاب المترجم الصادر عن «دار الفرات» البيروتية.
* كاتب عراقي مقيم في ألمانيا