خرج السوريون مطالبين بالحرية، فانهال عليهم الرصاص الحي منذ اللحظات الأولى. تلك حقيقة لا يمكن إنكارها. وبينما راح الحراك ينتقل من محافظة إلى أخرى من دون بوادر تنظيم واضحة، ظهرت «تنسيقيات الثورة» التي كان يُفترض أن تأخذ على عاتقها تنظيم العمل الثوري، والتنسيق له من خلال صفحات خاصة بها على فايسبوك. وبالفعل، تمكنت تنسيقيات أحياء دمشق من الدعوة إلى التظاهرات وتنظيم الحراك السلمي إضافة إلى تنسيقيات عدة أخرى، فكانت النتيجة اعتقال عدد كبير من ناشطي التنسيقيات.


ورغم إصرار البعض على رفع الشعارات السلمية البعيدة عن أي لغة طائفية، خلطت فترة زمنية بسيطة الحابل بالنابل، وعمّمت الفوضى على أرجاء المكان، وسط تكاثر مدهش لصفحات التنسيقيات. وسرعان ما تهاوى عدد كبير منها نحو درك الطائفية المقيتة، فيما اعتصم بعضها الآخر بأسلوب منحدر اتخذ من التحريض على العنف وسيلة وحيدة كرد فعل على عنف النظام. لكن اللافت هو ظهور تنسيقيات تحمل أسماءً لا تعكس مضمون خطابها، كـ«تنسيقية الشيوعيين السوريين» التي ترفع صورة تشي غيفارا شعاراً لصفحتها على فايسبوك، إضافة إلى عبارة «يا شيوعيي سوريا اتحدوا». ونقرأ على هذه الصفحة إعلاناً مهماً عن طلب السعودية والكويت وظائف في اختصاصات متعددة! من جانب آخر، ينقل السيناريست السوري فؤاد حميرة عبر صفحته الخاصة على فايسبوك أنّه «بهدف تنشيط الحراك الثوري في الساحل السوري»، تم إنشاء تنسيقيتين في محافظة طرطوس وتنسيقيتين في محافظة اللاذقية، إضافة إلى تنسيقية في دمشق في حي الـمزة 86، وأخرى في عش الورور، ويجري الإعداد لتنسيقية في منطقة العرين. وتلك مناطق تجمع إحدى الطوائف السورية. في الضفة المقابلة، لم تسلم المؤسسات الإعلامية الرسمية من تنسيقيات مشابهة. والبداية مع «تنسيقية التلفزيون السوري» التي رفعت صفحتها على فايسبوك شعار «معاً نحو استعادة الإعلام الوطني»، وقد تجاوزت نحو 4000 معجب. وهنا، تنحصر المهمة في التحريض العلني على موظفي التلفزيون السوري، إضافة إلى نشر أخبار الاشتباكات مع حرس مبنى التلفزيون، وآخر أخبار المذيعين وأماكن وجودهم أو إقامتهم، فيما تذهب صفحات شبيهة إلى نشر «صور وجوه الكذب» كما سمّتها، ناشرةً اسم كل إعلامي حكومي مع «التهمة» التي وجّهتها إليه، كـ«التحريض على الدم السوري» و«التضليل»، مطالبةً بالتصرف السريع مع شبيحة الإعلام السوري. يكفي اليوم كتابة أول حرفين من كلمة تنسيقية في خانة البحث على فايسبوك لمعرفة المصير الذي آلت إليه الخطوة الأولى لتنظيم الحراك السلمي!