رام الله | عام 1962، إنشقوا عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي "كان تنظيماً صديقاً للإتحاد السوفيتي، وليس حركة ثورية هدفها تغيير المجتمع". لم تتقاطع نظرته إلى الصراع العربي الإسرائيلي مع نظرتهم التي رأته "صراعاً كولونيالياً ودولة إسرائيل هي دولة استيطان" كما يقول أحد مؤسسي «المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية» في فيلم "مَتْسْبِين: إسرائيليون ضد الصهيونية" (Matzpen: Anti-Zionist Israelis، 2003، 53 د)، للمخرج الإسرائيلي إيران توربِنير. الشريط الذي عُرض أخيراً في «المركز الثقافي الألماني الفرنسي» في رام الله يحكي من خلال مؤسسي "مَتْسْبِين" حكاية هذه المنظمة، التي راح أعضائها يفضحون الوجه الاستعماري للمجتمع الإسرائيلي، ويقيمون علاقات "رفاقية" مع فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية، والحركات اليسارية في أُوروبا، عرفت أوجها بين أعوام 1962-1970. و"مَتْسْبِين" هي اسم جريدة «المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية» التي كانت تُصدرُ أساساً بالعبرية، إلى جانب بعض الأعداد والصفحات الأخرى بالعربية. يقول الكاتب الإسرائيلي عكيفا أُور أحد مؤسسي المنظمة في الشريط: "دولة إسرائيل قائمة على غسل العقول"، ويرى في منطق "الضحية" الذي صرّحت به غولدا مائير، وهو بـ"أننا لن نسامح العرب لأنهم جعلونا نقتل أطفالهم" منطقاً يتبعه "اليسار الصهيوني" في سياسته.


قبل حرب عام 1967، كان عدد أعضاء هذه المنظمة لا يتجاوز العشرين، يطرحون قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم في جريدتهم ومؤتمراتهم. عودة اللاجئين، ومقاومة مصادرة أراضي الفلسطينيين الذين كانوا يخضعون للحكم العسكري في فلسطين التاريخية من القضايا التي نَشَطَ من أجلها أعضاء "مَتْسْبِين" في السنوات الأولى لتأسيس المنظمة، وكانوا يجابهون بـ"الضحك والاستهزاء، وعدم أخذنا على محمل الجد" كما يقول أحد المؤسسين الكاتب الإسرائيلي حاييم هَنِغبي.
لكن بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، تحوّل "الضحك والاستهزاء" إلى الضرب والتحقيق والاعتقال، وإلى حملة تشويه شنّها الإعلام الإسرائيلي ضد هذه المنظمة التي راحت تطالب بـ"الانسحاب الفوري من المناطق المحتلة" و"إنهاء الاحتلال الآن"، بينما كان المجتمع الإسرائيلي مزهواً بنتيجة حرب 67. وعليه، ففي عام 1968 انتقل نشاط المنظمة إلى مدينة لندن، حيث راح أعضاء "مَتْسْبِين" يلقون الخطابات عن الصراع العربي الإسرائيلي في الجامعات والإذاعات والنوادي اللندنية، ما دفع السفارة الإسرائيلية آنذاك، إلى إصدار كتيب يتضمن "أسئلة وأجوبة عن كيفية التعامل مع اليسار العدائي" وزّعته على الطلاب الإسرائيليين ليردوا على أعضاء "مَتْسْبِين". وفي لندن أيضاً، التقى الأستاذ والناشط الفلسطيني خليل هندي بأعضاء "مَتْسْبِين" بتكليف من نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية الذي رأى في "مَتْسْبِين تنظيماً رفيقاً".
في 15 أيار (مايو) 1974، نفّذ ثلاثة فدائيين من الجبهة الديمقراطية عملية في مستوطنة معالوت. لم تؤيد "مَتْسْبِين" هذه العملية التي استهدفت مدرسة إسرائيلية. "هذه عملية لم تكن موجهة ضد قوة احتلال أو رموزه. نحن ضد تفجيرات الباصات والأسواق. لكن أي عملية سواء مسلحة أم غير مسلحة، ضد قوة الاحتلال ورموزه ومكاتبه الحكومية، هي مقاومة شرعية" يقول عودِد بِلافسْكي أحد المؤسسين، ويضيف: "العملية أيضاً حصلت داخل حدود إسرائيل". ولعلّ حدود "مَتْسْبِين" في "نضالها" مع القضية الفلسطينية تنتهي عند "شرعية" هذه العمليات المسلحة التي تستهدف مدنيين إسرائيليين، وتلك التي تقع "داخل حدود إسرائيل". الخطاب الشفوي في "مَتْسْبِين" دفع المناضل الشيوعي داود تركي من حيفا إلى الانشقاق مع رفاق آخرين من "مَتْسْبِين" في أواخر الستينيات لتأسيس "الشبكة اليهودية العربية"، التي خططت لعمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية، وأقامت اتصالات مع المنظمات الفلسطينية في سوريا، قبل أن يعتقل داود والشبكة التي ضمّت فلسطينيين ويهود عام 1972.
بعد عام 1970 استمرت "مَتْسْبِين" ضعيفة ومتفككة من دون قاعدة سياسية واجتماعية بسبب صهيونية المجتمع الإسرائيلي. "هذه الصهوينية التي تهدد مستقبل أولادنا" يقول ميشيل فارشافسكي عضو في "مَتْسْبِين" الذي تحدثنا معه في سياق آخر: "مَتْسْبِين بدأت بحافز من السؤال عن مستقبل أولادنا. لم نؤسس المنظمة من أجل الفلسطينيين بل من أجلنا نحن، ومن أجل أولادنا الذين لا نريدهم أن يكونوا لاجئين في أوروبا وفي أميركا. نريد أن نكون جزءاً من هذه المنطقة ليس مثل مملكة صليبية. نريد أن نكون عرباً وليس أوروبيين بين العرب".