«يعلّمنا الفنانون أن نؤمن بشيء فينا يتجاوزنا. كم هو قليل ما نطلب وكم هو ما يعطوننا كثير» أنسي الحاج (تداعيات فنية). حدثان أو خبران هامان ميّزا المرحلة الحالية وإنْ لم يستأثرا بالاهتمام الكافي في خضم الضياع الكبير والنقاش المتناسل حول قانون الانتخاب. ذلك أنّ حياة الشعوب ومقياس حيويتها يُقاسان بالعديد من وسائل الانتاج والعمل ومن أهمّها، ربما، الانتاج الثقافي والفني أو ما يمكن وصفه بصخب الإبداع.

الحدث الأول يتمثّل في فوز مسرحية «الديكتاتور» لعصام محفوظ بجائزة «مهرجان المسرح العربي» في الدوحة.

أخرجت لينا أبيض هذه المسرحية السنة الماضية ومثلتها عايدة صبرا وجوليا قصار، مع أنّ النص هو لرجلين. إلا أنّ الممثلتين القديرتين مثلتا دور الديكتاتور وسعدون بكل تميز وبراعة، ما أعطى العرض نكهته الخاصة. والمفاجأة التالية المرتبطة بوقائع هذا المهرجان كانت اختيار ممثلة بارزة من عندنا لتكريمها مع مجموعة من الممثلات من سائر الدول العربية (16 سيدة مسرح). مبروك هذا الاختيار لمسرحية «الديكتاتور» التي أخرجتها سيدة عاشقة للمسرح مع مجموعة من الشبّان («بيروت 8.30») يحلمون بتفعيل النهضة المسرحية في البلد. ومبروك لرندا الأسمر هذا التكريم الذي يتوّج مسيرتها الفنية وعنادها في الحفاظ على أداء مميّز لافت. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى اختيار مسرحية «كان يا ما كان» من بين الأعمال العربية المنافسة في المهرجان. والمسرحية من إنتاج تعاون لبناني ــ تونسي، كتبتها يارا أبو حيدر وأخرجها التونسي وحيد العجمي. وشاركت في التمثيل حنان الحاج علي. لهم تحية تقدير مع الأمل بتقديم هذا العمل مجدداً، سيّما في المدارس. أما الحدث الثاني، فيقودنا الى خبر آخر على علاقة متينة بواقع المسرح. تكريم «مؤسسة سمير قصير» لفنان بارع من عندنا من خلال تقديم مسرحياته في دورة المهرجان السنوي التي ينطلق في أيار (مايو) المقبل. ألف تحية وتقدير لهذه الالتفاتة إلى وجدي معوض الذي يعود الى بلاده حاملاً غلال السنين في غربة فرضتها عليه ظروف الحرب، فتهجّر صغيراً مع والديه ككثير من اللبنانيين الذين هاجروا قسراً وما عادوا!
منذ زمن، نسمع صرخات الاستهجان والاستغراب لتدنّي المستويات الفنية والثقافية وضعف الانتاج وغياب الجمهور. غير أنّ الواقع يناقض كل هذا النحيب الهدام. وما الجوائز التي تنالها الأعمال اللبنانية في الخارج إلا علامة على العافية التي ما زالت تجري في جسم الثقافة والانتاج الفني. ما يدلّ على هذه النهضة المسرحية هو تلك الأعمال المميزة التي قُدمت أخيراً على مختلف مسارح المدينة.
ولا بد من التوقف عند بعض الغلال التي شكلت علامة فارقة في مواسم الحصاد والبركة: إلى جانب «الديكتاتور»، أخرجت لينا أبيض «حبيبتي رجعي عا التخت»، ونالت نجاحاً وتقديراً من قبل الجمهور والنقاد، كما أنّ الموسم شهد عودة ريمون جبارة من خلال عمله «مقتل إن واخواتها». يحافظ ريمون جبارة على صدقيته وأسلوبه التهكمي القارص، ولعبة القدر والانسان الجلّاد والضحية. ريمون الساخر من القدر والناس والحضارة التي تزيد الانسان بؤساً وقهراً؟! آه من ريمون لو يُكمل ويعود فيقدّم «لتمت دسدمونه» الى الأجيال الشابة، فتتعرف أكثر كيف تكون الريادة. تحية الى كل الكبار ومنهم روجيه عساف الذي قدّم تكريماً الى كبير آخر، فكان عمله عن بول غيراغوسيان خلاصة مرحلة في تاريخ لبنان. فماذا يحضر لنا من مفاجآت وأعمال؟ من ناحية أخرى، كانت لنا حصة لمهرجان «إبسن» الذي يقام في النروج مع عملية توسيعه ليشمل العديد من البلدان.
ضمن هذا الاطار، قدمت الفنانة عايدة صبرا مسرحية Delete على «مسرح مونو». والعمل من اعمال إبسن الهامة والداعمة لفكرة تحرر المرأة في العالم والنزعة الاستبدادية لالغاء الآخرين وتحويلهم الى «دمى» خاضعة. عايدة صبرا؟ نحن معك في شغفك وحماسك للمسرح وايمانك بالمواهب الشابة وصحة المسرح الذي ما زال يحافظ على قيمته ودوره. أما فرقة «زقاق»، فتنشط بجديّة وذكاء وتفاعل لتقديم أعمال مسرحية بنكهة تدلّ على أحلام مجموعة من الشباب وصلابتهم وانفتاحهم وتواصلهم مع قضايا مجتمعهم وإنسان هذا العصر وآخر عروضها «أليُسَانَة، تدريبٌ على الطاعة» من أعمال ابسن الجيدة. الحيوية والجنون اللذان تميّز بهما هذا العرض يدلان على الحراك والنشاط اللذين يطبعان المسرح في هذه المرحلة؛ إنها إشارة الى نبض واعد وتوثّب للإبداع.
أما الخلاصات التي يمكن الخروج بها، فهي أنّ المسرح ـــ كما الثقافة عندنا ـــ ليس في أزمة؛ والجمهور المسرحي موجود خصوصاً من الشباب؛ والأعمال الجيدة والذكية والحلوة تجذب الناس؛ والتنوع متوافر من خلال الأنواع المختلفة من العروض؛ والنصوص الجيدة متوافرة؛ والاقتباس عملية صحية مفيدة، إذ تسهم في نقل اختبارات البارزين في العالم إلينا. وهنا، تحية إلى كبير آخر من عندنا الشاعر أنسي الحاج لدوره في نهضة المسرح في المرحلة السابقة (ترجمة ما لا يقل عن 12 مسرحية). أنسي الحاج لماذا كل هذا الانكفاء؟ لماذا لا يعاد تقديم «الملك يموت» ليونسكو أو أي مسرحية أخرى ترجمها؟
إنّ الذين يعملون في نطاق الثقافة من مسرح وغيره لهُم من الأبطال المقاومين والمعاندين والمغامرين الذين يثابرون ويضحّون لتحقيق نشاطات ومشاريع وبرامج تلبّي جزءاً من رغبات الناس وطموحاتهم. والفنانون ــ كما أشار وجدي معوّض ـــ يترجمون تجارب شعوبهم وآمالهم كما الأحلام: فكلما كبرت المعاناة ازداد الإبداع.
ولا بدّ هنا من التوقف عند الدور الذي يؤديه كل من: نضال الأشقر (مسرح المدينة) روجيه عساف وحنان الحاج علي (جمعية شمس) وبول مطر (مونو) وجواد الأسدي (بابل). غير أنّ المطلوب من وزارة الثقافة أن تؤدي دوراً فاعلاً، إضافة إلى الدعم المادي الذي تقدّمه إلى عدد من الأعمال سنوياً. مطلوب خفض الضرائب عن الأعمال المسرحية والثقافية وحتى الغاؤها، بدلاً من السعي الى زيادة الضرائب، ما يضاعف الصعوبات أمام المنتجين والفنانين، والسعي الى فتح الأبواب أمام الأعمال المسرحية لتقديمها في مراكز ثقافية أو مهرجانات اقليمية ودولية. وتبقى أمنية تنظيم مهرجان مسرحي لاعادة تقديم الأعمال التي حققت نجاحاً من أجل افساح المجال امام الجمهور للتعرّف إليها خصوصاً الشباب.
أما التحدي، فهو: كيف نحافظ على البلد كمركز للانتاج الجيد، وخصوصاً في مراحل التبدّل السياسي؟ هل من مهمة لتحقيق التقدّم والترفيه؟! سؤال برسم كل مسؤول سياسي وثقافي وفنان وإداري، فليبدّلوا الأولويات! كيف نحافظ على لبنان خزّاناً رافداً للثقافة في العالم العربي؟ دورنا أن نستمرّ في إرسال الهدايا الفنية المفيدة. كل مواطن مسؤول. الكلمة للمواطن، فليتكلم ويتحرك. فلنعمل أكثر. كل مواطن صورة عن لبنان ودوره.
* ناقد لبناني




«مذهب» لينا خوري

منذ فترة، قدّمت لينا خوري جديدها «مذهب» في «الجامعة اللبنانية الأميركية»، وهي تعمل حالياً على إعداد العرض مجدداً مع مجموعة من المحترفين لتقديمه الى الجمهور اللبناني، نظراً إلى ما يحمله هذا العمل من دلالات للظرف الحالي في بلدنا وسائر البلدان العربية من معاناة الناس مع الحكّام الذين حوّلوا بلدانهم الى سجون كبيرة.