ترى فيمَ يفكر الآن تركي الحمد في سجنه؟ لعلّه يفكّر في إكمال روايته الأخيرة. تركها على مكتبه من دون عنوان ليفتح الباب لزائر لجوج ظل يطرق بابه. لا أدري، ربما طرق العنوان عقله وهو يقاد فجراً الى المعتقل (الأخبار 25/12/2012). أتصوّر أنّه قد هز رأسه آسفاً على المصادفة غير السعيدة، أن يطرق العنوان بابه وهو بين يدي زائر الصباح في طريقه الى معتقل لا يعرف في أي مكان هو. ربما قال لسجانه، لاحقاً، ما قيمة العنوان من دون الرواية كاملة! حقاً فيمَ يفكر تركي الحمد الآن؟ أتراه حسب أنّ مصيراً آخر ينتظره غير السجن ربما؟ الملك الحامي يتخلّى عنه في لحظة المواجهة ضد السلطة والمجتمع في آن واحد. إنّه الآن بلا ورقة ولا قلم في سجن لا يعرف مكانه غير سجان ذي وجه غليظ.


يجلس هناك في الركن البعيد ويتأمل الفراغ البارد الممتد أمامه ويسأل سجانه، شبحاً يقف بعيداً عنه وينظر اليه بترفّع: ترى ماذا يعني أن يكون المرء كاتباً وصاحب رأي في البلاد العربية؟ العراق، أو السعودية، أو مصر، أو حتى لبنان؟ وهل ثمة فرق! والأهم ماذا يعني هذا الرأي لمجتمعاتنا العربية المثقلة بآفات لا أول لها ولا آخر، وللسلطة غير الشرعية الحاكمة والمحكومة معاً، بشهوة عارمة للتسلط المنفلت من أي ضوابط أو موانع؟
أسئلة كثيرة تثار دائماً كلما جرت مناقشة علاقة المثقف بالسلطة في الإطار التاريخي ــ الثقافي للمجتمعات العربية، وخصوصاً عندما يجري اعتقال مثقف عربي. ولا أدري لماذا، يسأل الحمد، نتذكر فجأة ربما، أنّ السلطة عندنا ظالمة ومتعسفة، وننسى أنّ مجتمعاتنا لا تملك ذاكرة حقيقية للعدالة، وأنّها تشرّع ــ بالضرورة ـــ السلطة بصمتها حيناً، وقناعاتها الرثة بأكاذيب السلطات العربية. تهمة شائعة وعابرة للعصور كالكفر مثلاً، أو الاساءة إلى الإسلام من خلال التعرض لكتابه الكريم، أو نبيه العظيم، بماذا تختلف عن تهم تاريخية مشبعة بالافتراء كالزندقة أو حتى الشعوبية؟! التهمتان تردان في سياق واحد وإن اختلفت التواريخ والتسميات، فإنّ حداثة الثانية مقابل تراثية الأولى لا تغير كثيراً من الوقائع الثابتة، وفي مقدمتها أنّ هناك سلطة فاسدة استمرت قروناً في إنتاج الهراء، يقابلها مجتمع مستعد دوماً لتصديق وتداول التهمة كما لو أنّها الحقيقة الوحيدة القابلة للإثبات. في مجتمعات كهذه، لا مكان لفرضية أنّ المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فالاتهام يعني الشك، والسلطة العربية، ومن خلفها المجتمع المحكوم، لا تشك
أبداً.
إنّها تقول الحقيقة ولا شيء سواها، لكن ماذا يعني اعتقال مثقف بالنسبة إلى السلطة الحاكمة؟ الأصح ربما أن نسال بماذا يفيد السلطة أن تعتقل مثقفاً وتودعه السجن؟ في الماضي البعيد، كان السلطان خليفة المسلمين، يعتقل الشاعر، ولاحقاً، الفقيه المعارض لرأي السلطان والجماعة المتضامنة معه. والآن يغيب السياسي المعارض ويعتقل الكاتب لرأيه المفارق. ولا فرق، في الحالتين تريد السلطة إثبات مشروعيتها بإسكات الصوت النافر الصاخب في السكون الأبدي للمجتمع وأحياناً لمثقّفي العصر. لا مجال أبداً للاعتراض، والغريب أنّ الصمت يصبح وباءً مدمّراً في أنظمة الدكتاتور الواحد، فلا أحد يسمع، ولا أحد يتكلم. لدى الدكتاتور مَن يخفي القصة ويمنع تداولها بين الناس. والمخيف أنّ حياة الدكتاتور تتحوّل الى قصة مثيرة، قصة واحدة تختصر حياة الناس، وهي الجديرة وحدها بالسرد. في السعودية، بلاد الحمد، مثلما هي حال بقية المشايخ في الجزيرة، يجري إخفاء كل شيء: الناس، الحقائق، التاريخ، تماماً مثلما كان يحدث في بلاد الحروب المتفاقمة. العراق المخفي المغيب لأربعين عاماً تحت حكم الدكتاتور. الحال واحدة والفارق، ربما، في النسبة أو العدد. أن تتعطل حياتك تحت مزاج فرد طاعن التسلط أسوأ بكثير من عبث اللحى النافرة ومشايخ القبائل الهاربة من الصحراء صوب المدن العامرة في الغرب، ولا فرق، فإن حيوات كاملة يجري الغاؤها بقسوة مفرطة تحت بسطال الدكتاتور، وعلى مهل، ربما، تحت سياط هيئات الأمر بالمعروف. تاريخ آخر شارك الجميع في إخفائه، بل اختلاق بديل عنه. تاريخ الدكتاتور المشبع بالكراهية بجانب تاريخ ممالك النفط، مدن الملح ذات الشوارع المخططة النظيفة والأبراج الشاهقة بعيداً صوب سماء لا تمتد فوق خيام القبائل ورمل الصحراء. إنّها الحداثة ولا شيء سواها، الحداثة كبديل نهائي عن الثقافة بطبعتها الشعبية القائمة على مؤسسات سياسية راسخة، وهو أمر يتقاطع، كلياً، مع أفكار المشيخة والقبائل الراجلة، وهي حتماً ضد الحداثة المعلبة المجلوبة كما السيارة والسلاح والأغذية. ثقافة تأخذ على عاتقها مراجعة فكرة التراث والإسلام السياسي عندنا بعامة، وهو ما أراد أن يناقشه تركي الحمد في أغلب كتبه
ورواياته.
إنّه يريد أن يجنّبنا الكارثة الأعظم «هل ظلت هناك كارثة لم تسقط على رؤوسنا، وآخرها حتماً النكتة الأسخف المسماة الربيع العربي!» مثلما خاطب الامير المترف في إحدى تغريداته على تويتر، ولا أدري ربما كان الحمد يفكر في فرضية انقراضنا كأمة لا تجيد سوى التفرج على الآخرين. بخلاف ما أراد المشايخ إشاعته أنّ الحمد أساء إلى النبي وإلى الإسلام عامة، وهي التهمة الشائعة كبديل عن جوهر كلامه، إنّه ضد التأويل السياسي للإسلام، وضد الحداثة الزائفة المفرغة كلياً من أي بعد ثقافي بناء. وهو كلام يتقاطع مع الهراء المدمر للقارئ كما الموت أو فقدان الذاكرة مما نجده عند المثقفين العرب وهم يكتبون عن الجزيرة العربية والسعودية تحديداً. إنّه التاريخ المضاد المقموع الذي لا يريد مثقفو الاستنارة العرب أن يقرأوه يوماً، مثلما رفض أغلبهم أن يقرأ تاريخ الدكتاتور العراقي وظل كثير منهم، وربما حتى الآن، يعده قائداً وطنياً. ولا غريب أن نجدهم يلزمون الصمت إزاء محنة تركي الحمد، خلا قلة كانت دوماً تدافع عن الحريات ومظلوميات الشعوب: عباس بيضون، أدونيس، تركي الدخيل وقلة من الكتاب السعوديين المتنورين.
مرة أخرى ما الذي يحقّقه لدولة واسعة النفوذ ولديها جيش من الدعاة والكتبة وتستعمر عقول المئات، إن لم نقل الآلاف من المثقفين، أن تعتقل كاتباً وتصادر كتبه؟ أغلب الظن أنّها لا تحقق من أمر سوى محو كتابات الفجر المعارضة على جدران المدينة، لكن تركي الحمد في سجنه يتمتم لنفسه، ربما، أو لسجانه: عبثاً تحاول... عبثاً تحاولون.
* كاتب عراقي