قد يمثل مبلغ 15 دولاراً أو أكثر بقليل، كلفة إنشاء موقع الكتروني لبناني على الشبكة العنكبوتية. مبلغاً زهيداً لتعبئة مساحة افتراضية، والبدء بنشر ما لذّ وطاب من الرسائل الحميدة وغيرها. يبقى الثقل المالي متركزاً على إدارة الموقع والتصميم وإجراء الصيانة المطلوبة. هذا ما يفعله صاحب الموقع الذي سلك طرق الشركات الخاصة، أي تلك الفئة التي ينتهي عنوان موقعها بـ .com (العلامة الخارجة عن نطاق يعني حدوداً جغرافية أو هوية محددة). كذلك، يستطيع الراغب في إنشاء موقع التسجيل رسمياً كأيّ علامة تجارية في وزارة الاقتصاد المتعاونة منذ ما قبل عام 2000 مع «الجامعة الأميركية في بيروت» بموجب مذكرة تفاهم بين الحكومة والجامعة ضمن ما يعرف بـ lebanese Domain Registry أو مكتب تسجيل الرسمي (علم وخبر) وحجز الاسم الذي ينتهي بطبيعة الحال بعبارة lb الدالّة على بلد المنشأ.


التعاون الحصري مع الجامعة مردّه إلى إرساء عُرف مع هذا الصرح منذ أكثر من 12 عاماً، نظراً إلى التقدم التكنولوجي الذي امتازت به الجامعة آنذاك، فبقيت «الأميركية» صاحبة الامتياز والحق الحصري في حجز أسماء المواقع على أنواعها وتسجيلها، وتصل كلفة هذا الحجز الى 550 الف ليرة باستثناء المؤسسات الحكومية المعفاة من الرسوم، وفق ما يشرح خبير الملكية الفكرية في وزارة الاقتصاد وسام العميل، في حديثه مع «الأخبار». علماً أنّ هذا المبلغ خُفض الى النصف في عام 2001 للتشجيع على إنشاء المزيد من المواقع الإلكترونية حينها، لتصل اليوم بحسب إحصاء الأسماء لدى الوزارة في عام 2012 الى 1233 موقعاً مسجلاً رسمياً لديها.
لم يكن فتح باب التشجيع يستوعب دخول كل هذا الكم من المواقع الإلكترونية، الذي بطبيعة الحال يفوق الأرقام المسجلة رسمياً. وقد عُزّز هذا الأمر في غياب التنظيم والقوننة، إلى أن أطلّ اقتراح القانون الإلكتروني مطلع العام الماضي، المقدّم من قبل وزير الإعلام وليد الداعوق، الذي لاقى الكثير من الاعتراضات، وخصوصاً لجهة الخوف من وضع هذا الإعلام تحت قبضة السلطة. أضف الى ذلك، الإبهام الذي أحيط به في ما يخصّ الحاق العاملين في هذا المجال بقانون المطبوعات (1963 ــ بشقّيه المتعلقين بممارسة المهمات والعقوبات) وعدم التمييز بين المواقع الإلكترونية والمدّونات ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. قانون دخل موته السريري في انتظار ولادة قانون جديد تدرسه لجنة الإعلام والاتصالات في المجلس النيابي، وقد شارف على الانتهاء. سيأخذ هذا القانون في الاعتبار الاقتراحات المقدمة من قبل النائبين غسان مخيبر وروبير غانم، وجمعية «مهارات». طوني مخايل المحامي في الجمعية يعدّد لـ «الأخبار» أهم هذه الاقتراحات، أولها التشديد على حرية هذا الإعلام وعدم إخضاعه لأي رقابة مسبقة، وأهمية ذكر المدير المسؤول للموقع الإلكتروني، والتصريح عن العنوان في إطار تحمّل المسؤولية، وفتح المجال لحق الرد إذا دعت الحاجة. المحاسبة في رأيه تكون ذاتية ومهنية تمارسها هذه المواقع. والأهم من كل ذلك الفصل في الإعلام الإلكتروني بين ما هو مهني، أي ما يبث من مواد إخبارية منتظمة الى الجمهور ويعتاش منها العاملون فيها، وما هو غير مهني، أي المواقع ذات الطابع الشخصي، كالمدونات ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي. وفي ما خص العقوبات، فقد أُقرّ الغاء التوقيف الاحتياطي الذي يلحظه قانون المطبوعات، وعُمل على استبداله بالغرامات المالية التي تتدرج تبعاً لنوع المخالفة ودرجتها.
من الناحية التقنية، يرتكز ثقل كلفة الموقع على المواد المحمّلة من الفيديوهات والتصميم وعلى الصيانة، أو ما يعرف بـ web master. يقول أستاذ الإعلام الإلكتروني في الجامعة اللبنانية محمود طربيه إنّ أهم معايير الجذب التي تساعد المواقع على استمالة الجمهور هي الصدقية، التي تبنيها مع مرور الوقت عبر إرساء ثقة مع الجمهور. يتحقّق ذلك من خلال بث معلومات خاصة وحصرية، يتطلب الحصول عليها جهداً إضافياً، وخصوصاً مع غياب العمل الميداني، شرط أن تكون صحيحة، وخصوصاً مع التدفق الهائل للمعلومات وتحديثها على نحو مستمر، إذ إنّ غالبية المواقع تعتمد على الكمية وتستنسخ موادها بعضها من بعض، بحيث يتغير الاسم ويبقى المضمون عينه. وعن الطريقة المثلى لتوزيع الإعلانات التي تكاد تطغى على المواد المنشورة، يقول طربيه إنّه في ما يخصّ حجم الشاشة الذي لا يتعدى 17 إنشاً، يجب أن توزّع الأخبار على أكثر من نصف الصفحة، والباقي للإعلانات التي يجري تطوير طريقة عرضها من الثابت الى المتحرك، الذي يقود بدوره الى الرابط الأساسي للمنتج أو للشركة المعلنة، وبهذا يكون المعلن قد اصطاد عصفورين بحجر واحد.
اجتاز الإعلام الرسمي شوطاً لا بأس به، عندما انتقل الى العالم الافتراضي وبدأ يتفاعل مع الجمهور على نحو شخصي أو عبر فريق اعلامي متخصص بمتابعة هذا الشأن، مع إبقاء المواقع الناطقة باسم الرؤساء الثلاثة على لازمة «استقبل... ودّع». لدى تصفح بعض المواقع الإخبارية المستحدثة التي تموّلها شخصيات بارزة في الحكومة، نرى أنّها تفرد مساحات لتغطية أخبارها، لكنّها أيضاً تنشر الكثير من الأخبار المناوئة للحكومة، ما يطرح علامات استفهام حول الازدواجية الممارسة في هذه المواقع، والهدف المبتغى منها.