تونس | لن تنجو النتيجة التي انتهت إليها لجنة تحكيم جائزة «بوكر» العربية هذا العام وهي تختار قائمتها القصيرة، من سهام النقد حتى تختار الفائز بالجائزة في 23 نيسان (أبريل) المقبل على هامش «معرض أبو ظبي الدولي للكتاب». اللجنة التي رأسها أستاذ الاقتصاد المصري جلال أمين عكست بخياراتها ذوقاً شعبوياً إلى حد كبير. أحد الكتّاب التونسيين الذين شاركوا في المؤتمر الصحافي الذي عقد الأربعاء الماضي في «المسرح البلدي» في تونس، رأى أنّ اللجنة انحازت إلى أعمال ذات منحى كلاسيكي، ولم تغامر بخيارات أخرى تتعلق بالأعمال التجريبية.


ورأت اللجنة أنّ الأعمال المختارة «تُعدّ في صلب الواقع العربي اليوم وتعالج التطرف الديني وغياب التسامح ورفض الآخر وانفصال الفكر عن السلوك عند الإنسان العربي المعاصر». ملاحظة الكاتب التونسي الغاضب كشفت ذوق اللجنة التي اختارت أعمالاً لستة كتّاب عرب (راجع الكادر). ورغم أنّ غالبية هؤلاء ينتمون إلى جيل الشباب، وبعضهم لا يتجاوز الـ 35 عاماً، إلا أنّ هذا لا يعني بالضرورة انحيازاً طليعياً من قبل اللجنة بقدر ما يشير إلى ذوقها المتورط في اللحظة الراهنة بكل ثقلها السياسي. هذا الأمر واجهته اللجنة خلال المؤتمر ببيان موجز وُصفت لغته بـ«الانطباعية وليست لغة النقد الرصين». أوضحت أنّها لم تستجب لضغط اللحظة الراهنة، بل استبعدت أعمالاً عالجت ما يسمى الثورات العربية لأنّها «لم تنضج بعد واتسمت بضعف فني واضح». ودافع رئيس اللجنة عن بيانها، واصفاً الأعمال المختارة بأنها «إنسانية»، مشيراً إلى أنّ اللجنة لم تبن خياراتها على أسس سياسية، خلافاً لما هو متوقع «واستندت إلى ذائقة أعضائها وخبراتهم».
في مقابل خيارها المنحاز عمرياً لكتّاب شباب، أطاحت اللجنة أعمال أسماء ذات رصيد كبير في الرواية العربية كانت ضمن القائمة الطويلة التي أُعلنت قبل شهرين، كاللبنانيين الياس خوري وهدى بركات وربيع جابر، والجزائري واسيني الأعرج. لكن جلال أمين أكّد لـ«الأخبار» أنّ ذلك لم يكن مقصوداً؛ «فلجنة التحكيم لم تلجأ إلى إقصاء أي كاتب، ولم تصدر حكماً بإعدام روايات لكتّاب كبار»، مضيفاً أنّ «على القراء أن يقبلوا قرارات اللجنة بتسامح، فلا يفترض للكاتب العظيم أن يبقى عظيماً طوال الوقت».
لكنّ لجنة التحكيم بدت لروّاد مواقع التواصل الاجتماعي الأضعف منذ إطلاق الجائزة قبل ستّ سنوات؛ لأنها خلت من «ناقد لامع» ومن روائي معروف؛ «فغالبية أعضائها من النقاد الأكاديميين الذين لم يعرف لهم إنتاج خارج أسوار الجامعة. وباستثناء جلال أمين الشخصية الإشكالية في تعاطيها مع الأدب، والفنان السوري علي فرزات، لم تلبّ اللجنة طموحات الباحثين عن الأسماء الشهيرة التي كانت في الماضي تعطي الجائزة «بعض الوهج». وهو أمر كان مثار جدل خلال المؤتمر الصحافي الذي لم يخل أيضاً من انتقادات وجهها كتاب تونسيون للجائزة التي وُصفت بأنها «ذات توجه مشرقي» يعمل على تهميش الأدب المغاربي. وصف انطوى على عدم دقة كون لوائح الجائزة ضمت في الأعوام الأخيرة أعمالاً للتونسي الحبيب السالمي، والجزائري بشير مفتي، والمغربي سالم بن حميش، وفاز بجائزتها العام قبل الماضي المغربي محمد الأشعري. بدا واضحاً أنّ القائمة تعكس بالقدر نفسه الحضور القوي للرواية الخليجية التي مُثِّلت هذا العام بعملين للكويتي سعود السنعوسي والسعودي محمد حسن علوان.
إلى ذلك، لفت نظر المتابعين احتواء القائمة على عملين من منشورات «الدار العربية للعلوم ناشرون»، هما «ساق البامبو» لسعود السنعوسي، و«أنا وهي والأخريات» للبنانية جنى فواز الحسن. وبعيداً عن جدارة العملين، رأى البعض أنّ هذا الخيار يعكس نفوذاً ما للناشر بشار شبارو الذي كان من بين أعضاء مجلس أمناء الجائزة. ملاحظة دفعت إلى قراءة المؤشر البياني للجائزة التي كانت سابقاً تختار للفوز أعمالاً لناشرين متنفذين في مجلس الأمناء على تعاقب دوراته. خلال دورتين، انحازت إلى منشورات «دار الشروق» المصرية التي كان يمثلها إبراهيم المعلم، ولـ«المؤسسة العربية للدراسات والنشر» التي مثّلها ماهر الكيالي. إلا أنّ عضو مجلس الأمناء الناشر التونسي نوري العبيدي أوضح أنّ هذه العضوية جزء من تقاليد جائزة «بوكر» العالمية التي استلهمتها «بوكر» العربية. وقال: «أعضاء مجلس الأمناء لا يتعاطون مع اللجنة أبداً». ملاحظة أكّدها عضو اللجنة الأكاديمي اللبناني صبحي البستاني الذي قال إنّ اختيارات اللجنة «لم تكن جزافية، فقد قرأت 133 عملاً روائياً»، وهو ما عدّه الممثل التونسي سالم اللبان بنبرة ساخرة «عملاً خارقاً أقرب إلى المستحيل».




المرشحون واللجنة

ضمت اللائحة القصيرة لـ«بوكر» العربية هذا العام كلاً من: اللبنانية جنى فواز الحسن عن روايتها «أنا، هي والأخريات» (الدار العربية للعلوم ناشرون)، والمصري إبراهيم عيسى عن «مولانا» (دار بلومزبري ـــ مؤسسة قطر للنشر)، والتونسي حسين الواد عن «سعادته السيد الوزير» (دار الجنوب)، والكويتي سعود السنعوسي عن «ساق البامبو» (الدار العربية للعلوم ناشرون)، والعراقي سنان أنطون عن «يا مريم» (دار الجمل)، والسعودي محمد حسن علوان عن روايته «القندس» (دار الساقي). علماً بأنّ لجنة الدورة السادسة للجائزة التي رأسها الكاتب والمفكر المصري جلال أمين، ضمت في عضويتها الجزائرية زاهية الصالحي، واللبناني صبحي البستاني، والسوري علي فرزات، والمستعربة البولندية بربارا ميخالك - بيكولسكا.