امتلاء صالة «سينما سيتي» (دمشق) في العرض الخاص لفيلم «الأم» لباسل الخطيب مبهج. نستحضر أيّام «مهرجان دمشق السينمائي» والـ«دوكس بوكس»، حين كانت الصراعات تقتصر على قوّة شريط وضعف آخر. «الأم» (إنتاج «المؤسسة العامة للسينما») هو الجزء الثاني من ثلاثية الخطيب (1962) حول «المرأة في زمن الحرب».

الأوّل «مريم» (2012، 109 د، «المؤسسة العامة للسينما» وشركة «جوى»)، اقترح حكاية ملحمية وبنية زمنية معقّدة تمتدّ على ثلاث حقبات. هنا، يكتب الخطيب السيناريو بنفسه.

موت الأم (صباح الجزائري) يجمع شتات أبنائها المختلفين في المكان والتوجّه السياسي (ديمة قندلفت، ونورا رحال، ولينا حوارنة، وسمير حسين، وعامر علي). العودة إلى القرية/ الجذور خطر هذه الأيام. هل نفعلها أم لا؟ يتداولون السؤال الصعب في ما بينهم.
الجارة (سلاف فواخرجي) مكبّلة بخلاف قديم مع العائلة. المساعدة تتطلّب الغفران وتجاوز الأحقاد. هل تفعلها أم لا؟ تتحلّى النساء بشجاعة أكبر. يتخذن قرار المواجهة رغم كل شيء. لطالما انتصر الإنسان لسوريّته وحقيقته في سينما الخطيب. التنوّع الاجتماعي والديني واضح. إسقاط مباشر، وحاد أحياناً، على حال بلد لا يتوقف عن الاندفاع نحو الهاوية.
إنّها «المرأة المرتبطة بأنبل القيم الإنسانيّة، والقادرة على مواجهة المصاعب، والتضحية في سبيل مبادئها»، كما قال لنا باسل الخطيب ذات يوم (الأخبار 27/11/2014).
تجربة الخطيب مثيرة للاهتمام. التواصل مع الجمهور يُحسب له، وهو ما لم يتمكن كثير من الأفلام السورية من تحقيقه.

ستحفظ السينما السورية
مشهد سلاف فواخرجي

«مريم» جمع ذلك مع عدد من الجوائز والتجوال الدولي. تاريخه التلفزيوني غير بعيد عن الأفلمة. يمكن تلمّس حضور المرأة والأسلوب الشاعري ونزعة السينما في كثير من مسسلسلاته. «رسائل الحب والحرب» (2007 ــ تأليف ريم حنّا) مثال كبير على ذلك.
لكن، ليس كل شيء على الجانب المضيء من القمر. الأسئلة تبدأ من مشهد الافتتاح، الذي تستحضر فيه فواخرجي ابناً لم تحظَ به. مدخل لا يُفضي إلى جسم الفيلم الأساسي، فيما المشهد التالي يفعل.
لا شك أنّ اصطفاف الأبناء على درج المنزل هو الأنسب. السيناريو مثقل بالإسقاطات وتنميط الشخوص لتوضيب مانيفستو اجتماعي ــ سياسي عن الحرب. الحوار يقوّل بعضه أحياناً.
يصنع من نفسه نادلاً أو ساعي بريد للتذكير ببديهيات وإيصال رسائل. هذا يقود إلى البنية عموماً. طرح إنساني يتحوّل إلى خطابي مع توجّه مبتور لفيلم طريق، قبل أن يعود إلى الدراما مجدداً.
يمكن طرح الكثير من الأسئلة عن هذا التشظي. ماذا عن ضرورة شخصيات كالتي تؤديها سوزان سكاف مثلاً؟
في الرؤية البصرية، لا يمكن تجاهل بعض المشاهد. مشهد سلاف فواخرجي تُحاصَر بالدماء سيبقى طويلاً في ذاكرة السينما السورية. استغلال الطبيعة الساحرة لمواقع التصوير في الريف الساحلي مربوط بالانتماء والهويّة والأرض، وناجح مع ديكور وائل أبو عيّاش.
في المقابل، يمكن التساؤل عن السيرورة العامة لكل ذلك، والتباين اللوني بين مشاهد وأخرى. الاعتناء التقني لافت، خصوصاً في البوست برودكشن (شركة الـ«آرت وير»).
هذا ملاحظ في «مريم» كذلك. لعلّ المأخذ الرئيسي على الشريط هو انحيازه إلى التلقين على حساب التصعيد. هذا خيار متفاوت في التلقي، يمكن أن يُسجّل له أو عليه.