قيام مصر بمنع جديد ريدلي سكوت «سفر الخروج: آلهة وملوك» (2014) ليس مستغرباً، وإن لم يكن مقبولاً من حيث المبدأ (الأخبار 27/12/2014). السينمائي البريطاني (1937) استفزّ أحفاد الفراعنة بسيناريو مشترك لكل من آدم كوبر وبيل كولاج وجيفري كاين وستيفن زيليان. الشريط يقارب الرواية التوراتية عن النبي موسى إلى حد كبير، مع طروحات حسّاسة تاريخياً ودينياً. «بني إسرائيل» هم بناة الأهرامات والصروح المعمارية الضخمة. رائحة الرواية الصهيونية تزكم الأنوف في هذه الناحية. الفرعون الطاغية هو رمسيس الثاني صاحب الصيت الحضاري المحبّب عند المصريين.


موسى لم يشق البحر إلى نصفين. المعجزة حصلت ولكن بفعل عوامل الطبيعة، يعد التسونامي أحد مصادر إلهامها. المغرب لحق بمصر، فيما أجازته الرقابة اللبنانية بعد التنويه إلى أنّ المضمون من صنع خيال المؤلف، ولا يمتّ بصلة إلى النصّ الديني أو الحقيقة التاريخية.
ولكن لندع «الملل» جانباً. الوصاية على الإبداع صارت أسطوانة مشروخة في هذه المنطقة. لنعلّق التقديس الديني على المشجب، ونشرع في قراءة السينما بتجرّد. لا شكّ في أنّ موسى، كبطل ملحمي، كاراكتير مثير للاهتمام بالنسبة إلى سينمائي مثل ريدلي سكوت. الرجل يحبّ القادة الثائرين على السلطة، خصوصاً عندما يكونون أحد أعمدتها في البداية. الكاريزماتيون الذين يقودون الجموع ويخلّدون أسماءهم إلى الأبد. نظرة بسيطة على ماكسيموس في «المصارع» (2000) وباليان في «مملكة السماء» (2005) و«روبن هود» (2010)، كفيلة بتتبع أثر الخليط بين الإيديولوجيا والمنشأ والدافع الذاتي على تطوّر الشخوص.

الرواية الصهيونية
تسلّلت إلى الشريط

السويّة الفنية وقوّة الاشتغال تتبعان منحى تنازلياً، ضمن فيلموغرافيا مُخرج لم يعرف الثبات يوماً. أيضاً، ثمّة مجال لطرح أسئلة أساسيّة حول الخلق والوجود.
سلسلة «برومثيوس» التي قدّم سكوت الجزء الأول منها عام 2012، تتصدّى لحمل ثقيل من هذا النوع، ويمكن أن تصبح عنواناً عظيماً في المستقبل. سينمائياً، لا تخلو قصة موسى من دراما متقلّبة وأحداث جسيمة ومعارك تتيح صناعة مشاهد ملحميّة. كل ذلك مغناطيس لا يمكن لمخرج مثل ريدلي سكوت أن يتجاهله، حتى لو كان «غير مؤمن» بالتعريف الديني. ولكن ماذا حدث؟ الفيلم جاء مخيّباً للآمال إلى حدّ كبير.
الرواية معروفة. ينشأ موسى (كريستيان بايل) مع رمسيس الثاني (جويل إيغرتون) في كنف الفرعون الأب (جون تورتورو). موسى أمير يحظى بالاحترام والحظوة. رجل عادل، حازم، رحيم، غير راض عن العبودية الوحشية التي يعيشها اليهود يومياً. يكتشف حقيقة أصله، ورحلته المبكّرة في المهد عبر النهر، فيخرج من كل شيء. التتمّة معروفة بعد زواجه وصعوده جبل الطور. الكلام مع الله يبدأ عبر طفل/ رسول صغير في السن. ديالوغ/ مونولوغ يتكرّر مع تطوّر الأحداث، ويبقى تحت سقف المستوى الأول من الطرح. عموماً، لا حوار بجودة ما سمعنا في «نوح» دارن آرونوفكسي هذا العام. يبدو موسى متفرّجاً على «استعراض» إلهي بحد أدنى من التفاعل والتبنّي. يقفز السيناريو عبر الأحداث بسرعة وخفّة في التناول، مبقياً الشخصيات من دون تطوّر يُذكَر. لم يحسن الافادة من زمن الساعتين وربع الساعة. يتراخى ويدور حول نفسه أحياناً. إنّه الفراغ السينمائي الأكثر سوءاً من الفراغ الرئاسي. التقيّد بالعمر الحقيقي لموسى في كل حدث، ليس ضرورياً. على صعيد الأداء، من الواضح أنّ ريدلي سكوت ترك بايل حرّاً من دون ضبط كاف. هذا الأخير خلص إلى قراءة خاصة لأيقونة كبيرة بعد قراءات أدبيّة عدة. عمل على أنسنة النبي، وإظهاره كرجل عائلة وثائر ومحارب من أجل الحريّة. لم يكن ينقصه سوى دعوة جنود رمسيس إلى الانشقاق عن «النظام».
تكيّفه الشكلي لافت كالعادة. إيغرتون في وضعية أفضل على الشاشة. الظهور الباهت للشخصيات الثانوية يزيد الأمور سوءاً. لا التماع يُذكر بخصوص بين كينغسلي (نان) وسيغورني ويفر (تويا)، وحتى السوري غسان مسعود في دور المستشار الأكبر، والفلسطينية هيام عباس في دور بيثيا.
نعم، التنفيذ التقني ساحر. لا يمكن أن يكون أقلّ من ذلك، بعدما قام سكوت بترك كل شيء من أجله. شغل مثالي في المعارك وإدارة الجموع ومواقع التصوير وشريط الصوت. مشاهد العقاب الإلهي من خلال التماسيح والجراد والفيضان شديدة الإتقان. عبور البحر (استبدلت العصا بالسيف) لا يُنسى. المفارقة أنّ كل ذلك لا يتفوّق على نسختي سيسيل ب. دوميل من «الوصايا العشرة» عامي 1923 و1956. أسئلة بسيطة: هل حقاً كان الإله مهتماً فقط باستعراض تحكّمه بقوى الطبيعة في مصر الفرعونية؟
هل هذا الرجل الحائر وشبه المجنون أحياناً هو المنقذ والمخلّص؟ أخيراً، إلى متى سيبقى ريدلي سكوت على طريق الانحدار، خصوصاً بعد كارثته «المستشار» العام الفائت؟




«سفر الخروج: آلهة وملوك»: «غراند سينما» (01/209109) ــ «أمبير» (1269) ــ «فوكس» (03/256363)