لم يعد خافياً على أحد أنّ «الجزيرة» هي الذراع الإعلامية للسياسة القطرية التي منيت بإخفاقات متتالية، وخصوصاً في سوريا. لكن منذ فترة، ظهرت علامات التغيير على قناة «الرأي والرأي الآخر»، وانعكس ذلك عبر بعض التسميات. مثلاً، لم تعد تسمّي مقاتلي المعارضة «الثوار». كذلك، أفردت مساحات للحديث عن أخطاء الجيش الحرّ، ثم تراجع الحدث السوري كلياً في نشراتها المتتالية. وقبل أسابيع، قررت المحطة القطرية إلغاء النشرة السورية نهائياً مع «الديسك» الذي كان موكلاً إليه الملف السوري من خلال نقل صحافيين إلى أقسام أخرى، ما ترك انطباعاً بأنها بدأت «تكويعتها» الفعلية، إضافة إلى تهميش الحدث السوري على الموقع الإلكتروني للقناة.


لكن ما حقيقة ما يحدث في كواليس المحطة؟ وهل هي خطوة متقدمة في تغيير الخطاب الإعلامي حيال الملف السوري، أم أنها مجرد ترتيبات إدارية لا ترتبط بالنظرة السياسية الأشمل إلى الملفات الإقليمية وخصوصاً سوريا؟ غالبية من سألناهم في المحطة، فضّلوا عدم الإجابة، بينما قال لنا آخرون، فضّلوا عدم الكشف عن اسمهم، إنّ المسألة لا تتجاوز إعادة ترتيب أوراق على خلفيات إدارية وتنظيمية. وأشار هؤلاء إلى أنّ النشرة السورية لا تزيد على نشرات بقية البلدان التي تم إيقافها أيضاً، إذ لم تعد هناك نشرة مغاربية ولا مصرية، وهو ما يؤكد أنه نمط إداري جديد لا أكثر. في السابق، كانت كل نشرة مخصّصة لبلد تعرض كل الملفات المتعلقة بالتطورات فيه. وإذا حصل أي تطوّر مصري مثلاً، يتم تأجيل الخبر السوري للنشرة السورية، مقابل إفراد مساحة أكبر للحدث المصري والعكس صحيح. أما حالياً، فيُفترض أن تأخذ كل الملفات حقّها في كل النشرات.
لكن ماذا عن تقليص مساحة الخبر السوري في كل النشرات؟ يجمع محدثونا من فريق «الجزيرة» على أنّ «هذا مجرد كذب وافتراء» ويسوقون مثالاً على ذلك بإحصائية تتمثل في 80 تقريراً تبث شهرياً كحد أدنى عن سوريا، ما عدا الضيوف وفترات البث المباشر، إضافة إلى زيادة عدد مراسلي القناة داخل الأراضي السورية باستثناء محافظتي الرقة ودير الزور اللتين قلصت فيهما «الجزيرة» عدد مراسليها بسبب «داعش».

افتتاح مكتب
في غازي عنتاب يديره أحمد العبدة
وقد تم تأسيس مكتب للملف السوري، و«الجزيرة» هي المحطة الوحيدة التي تدير مكتباً في سوريا وتملك فريقاً من المراسلين يقدم تقارير مباشرة من أماكن وجوده. هذا الجانب يفتخر به ياسر أبو هلالة المدير الجديد للقناة الإخبارية، علماً بأنّ المحطة تلجأ في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى ناشطين معارضين تعتمدهم كمراسلين، رغم أنه لم يسبق لهم العمل الإعلامي نهائياً ولا أحد يعرف مدى تحصيلهم العلمي على سبيل المثال.
إذاً، يؤكد فريق «الجزيرة» أن ما حصل إجراءات إدارية لا أكثر. وقد بات هذا معروفاً لدى الجميع، حتى إنّ المذيع ماجد عبد الهادي قال هذه المعلومات لكل الصحافيين السوريين في غازي عنتاب، حيث افتتحت فيها المحطة أخيراً مكتباً يديره أحمد العبدة، أحد المعنيين بالملف السوري في القناة، وشقيق المعارض الشهير أنس العبدة، وهو ينتمي إلى الإخوان المسلمين. لكن الكلام يخالفه منتج أفلام وثائقية، فضل عدم الكشف عن اسمه، إذ يقول لنا «كل الإجابات التي وصلتني عن هذا الموضوع من موظفي «الجزيرة» تقول بأنها خطة إدارية، لكنني أشك في ذلك. أرى أنّ تغييراً في سياسة الدوحة تجاه دمشق سيحدث تدريجاً، ما سينعكس على أداء المحطة التي تنفذ تعليمات دقيقة. وما يرجح الظن بأنّ سياسة المحطة في طور التغيير أنّهم رفضوا عشر أفكار لأفلام وثائقية سورية قدمت من جهات مختلفة، رغم أنها تحمل أفكاراً إنسانية ذات علاقة بهموم الناس بعيداً عن التسلح والاقتتال. لكن يبدو أنّ هناك رغبة في تهميش الخبر السوري على أكثر من صعيد».