هناك طاقات ونجوم ووجوه متوارية، ترسم الملامح الأساسية في معرض زينة الخليل (1976) From Mirfaq to Vega الذي تحتضنه غاليري «جورجيو بيرسانو» في تورينو الإيطالية حتى 10 كانون الثاني (يناير). في معرضها التجهيزي، ينفلت من ذاكرة الفنانة اللبنانية تاريخ سياسي ثقيل ولامتناه للشرق الأوسط والمنطقة. تجرجر ذاكرة جماعية أشبه بمرآة لحروب واحتلالات، تتقاطع مع الذاكرة المستقبلية لجيل اليوم في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين. عناصر معرضها الجديد تولد من البيوت بوصفها مكاناً للذكريات والقصص الحميمة، لكنها أمكنة مهددة رغم كل شيء، بما هو أكثر هولاً من ضيق مساحاتها.


إنها منازل هدمت واحتلت وأخرى تواجه خطر الزوال. كأن الاحتلال أو الدمار يصبح مسافة فاصلة بين تاريخين، ويتحوّل إلى الفعل المدمّر والباعث في آن واحد. وجدت الخليل في الشعر واللوحات والجدران والأصوات والمنحوتات ملجأً لمساءلة قيمة المنزل بعد هجره، الجدران والذكريات والحب، وكيفية التعاطي مع الفقد من منطلق شخصي، أمام غياب المتاحف العربية التي تحفظ تاريخ الحروب.
لا تملك زينة منزلاً من طفولتها. لقد ورثت فقدان البيوت عن والديها. احتل العدو الإسرائيلي منزل والدها في حاصبيا، لمدة 22 سنة. مكان لم تره إلا في عام 2000، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. البيت الذي تحول إلى مركز تحقيق استخباراتي، هدم وأعيد بناؤه. أما الجدران والمتاريس العازلة، فبقيت مغروسة في الأرض. وقد تمثّل التحدّي الأكبر في انتزاعها من مكانها، من دون تضرر الشجرة العملاقة بجانبه، حارسة ذكريات طفولة والدها وأقرانه. نقلت زينة أجزاء من جدران الموقع إلى إيطاليا، لتوثيق 22 سنة من الاحتلال. نشاهدها شاهقة وصلبة كرمزية ثابتة للعنف، تتراءى وراءها عيون الجنود الإسرائيليين التي كانت تصوّب رشاشاتها على الفلاحين في مزارعهم المقابلة. أما الطريق التي سلكتها إلى حاصبيا، فهي الطريق نفسها التي قطعها أجدادها وأسلافها هرباً من الاحتلال الفرنسي ذات يوم من عشرينات القرن الماضي.

نستمع إلى
«يا ديرتي» بصوت المغنية إليزابيث أيوب

مسافة لا يمكنها سوى استحضار قصيدة «يا ديرتي» التي كتبها زيد الأطرش في تلك الفترة، عم الفنانة أسمهان (1912 ــ 1944)، وأحد أقارب زينة. وكما سمعنا هذه الأغنية بصوت أسمهان، استمعت زينة الطفلة إليها بصوت جدتها، حين كانت تغنيها وترفقها ببطولات الأجداد. هذه العناصر المتشابكة التي تمثّل تاريخين متباعدين يجمع بينهما الاحتلال، أعادت الخليل تشكيلها وتركيبها لتعكس حال البلاد طوال حقبات متعددة. في المعرض نرى شجراً، صنعت أغصانها من الخشب والـ «بليكسي غلاس»، وحفرت أبيات شعرية من قصيدة «يا ديرتي»: «ياديرتي مالك علينا لوم/ لا تعتبي لومك علي من خان/ حنا روينا سيوفنا من القوم/ مثل العدو مانرخصك باثمان». تدور الشجرات، فيما ينعكس الضوء على أغصانها، لتظلل كلمات القصيدة فضاء العرض. تلك الشجرة التي عايشت الحروب وصمدت، وانتقلت من جيل إلى جيل، تنقل معها الحكمة والضوء الذي ما زال قادراً على الحب. القصيدة سنستمع إليها عبر تسجيل صوتي تغنيها الفنانة إليزابيث أيوب.
لم تستثنِ الحروب الغزيرة القصف الأميركي من بارجة «نيوجيرسي» الشهيرة عام 1983. طاول القصف حينها منزل والدة الفنانة في عاليه، لكن أعيد بناؤه مجدداً. وبجواره حافظت بيوت وأماكن أخرى على ندوبها، من دون أن يعاد إعمارها من جديد. تسائل الخليل هذه البيوت، وماذا يحدث بها بعد انتهاء الاحتلال. أين تذهب طاقات الوجوه التي سكنته يوماً؟ في أحد تلك البيوت في عاليه، أمضت أشهراً تفكر في الفضاءات والمساحات الشاهدة على العنف. في تجهيز بصري، ترتدي زينة زي الشيخات الدرزيات الأسود مع المنديل الأبيض. تمارس بعدها فعل الدمار والبناء على الخرق والمناديل البيضاء، عبر إحراقها وصنع حبر من رمادها لترسم لوحات الكانفاس الكبيرة. لوحات تحمل دمغة المناديل التي استخدمتها كأداة للرسم بالحبر الذي يحوي رمادها، ودمغة الفضاء الذي أنجزت فيه هذه الأعمال. كذلك خاطت كوفية ولوّنتها بالأسود كدلالة على المقاومة، وطرزت بعض المقاطع مثل «وفي قلبي، صدامات كونية». لقد وظّفت الطاقة وألفة المنزل في الدرجة الأولى لنقل تاريخ هذه الأمكنة بشكل مباشر إلى اللوحات. في ذلك الفضاء، وجدت زينة لوحات رسُمت عليها شخوص صينية ويابانية، فأعادت إحياءها من جديد، من خلال رسمها مستخدمة رماد المناديل والأقمشة التي أحرقتها. كما ألصقت خصلاً من شعرها الذي يبقى حياً بدوره بفضل الـ DNA. كأنها بإنقاذها الشخوص الآسيوية تخلّص ذوق العائلة التي عاشت فيه ذات يوم، وتخلّص أهواءها من الاندثار. لا شيء يموت إذاً، لا خصل الشعر ولا خيارات السكان الراحلين.
شغل مفهوم الحرب والسياسة الفنانة اللبنانية، فعملت على فكفكته في معرضها الفردي «... وعلي ما معو خبر» في بيروت عام 2010، حيث استخدمت الرموز والأيقونات السياسية والكيتش من خلال فن «البوب آرت». لكن تجربتها الحالية، تبدو تجربة ناضجة مثالية وتوثيقية أكثر منها خطابية مباشرة.
توصّلت الفنانة إلى نوع من الفهم الخاص لتلك الأحداث، أقله في المعرض وفي رحلتها الطويلة للتحضير له. تركّز عملها على التقاط بعض الحميميات في البيوت، لتندمج مع مسيرة التاريخ الهائلة. وبقدر ما تبدو الأحداث الماضية عنيفة ومعقدة، ستعمل زينة على إخمادها وربطها بطاقات حب وتسامح لا متناهية. لا تتخلى الفنانة اللبنانية عن قلبها كمواجهة لهذا الاحتلال، أو لأي حرب تنذر بالقدوم.نرى ذلك بوضوح في تلك التعاويذ الخشبية المنحوتة التي تعلو جدران المعرض؛ كتب عليها «أرض، عرض، رحمة، غفران...» تقرأها زينة في تجيز صوتي عملت عليه مع منتج الصوت راي حاج. تقرأ أيضاً «قلبي مليء بالحب، قلبي مليء بالتسامح، أشع نوراً مع الضوء الحالي». هكذا تتكامل مع ضوء النجمين اللامعين في السماء الذين أضاءا فترة عملها؛ نجمي «المرفق» (Mirfaq) و«النسر الواقع» (Vega).

* From Mirfaq to Vega: حتى 10 كانون الثاني (يناير) في غاليري «جورجيو بيرسانو» (تورينو ــــ إيطاليا).