بالتعاون مع القيمة الفنية أماندا أبي خليل، تقدّم «غاليري أجيال» معرضاً فردّياً واستثنائياً بعنوان Just About Touching The Structure للنحات اللبناني سهيل سليمان. الاستثنائي في معرض سليمان أنه لا يقدّم منحوتاته بل يكشف لنا مراحل تطوير أعماله الفنيّة عبر رسوماته. خلال زيارة قامت بها أماندا أبي خليل إلى محترف سليمان في لندن، لفت انتباهها كمّ الرسومات الموزّعة على الجدران. هكذا، ولدت فكرة المعرض بعد حوار طويل بينها وبين الفنان حول كيفيّة عرض تلك الرسومات في بيروت.


بدأ سهيل سليمان (١٩٥٢) عرض أعماله منذ بدايات الثمانينيات في لندن حيث يقيم حتى اليوم. يصعب حصر أعماله في خانة النحت الكلاسيكي، هو يميل غالباً إلى موضعة منحوتاته ضمن سياق تجهيزات فنيّة تفاعليّة مع الجمهور، ومتبدّلة وفق تفاعل الجمهور معها.
في ٢٠٠٨، قدّم سليمان عمله Raining Stones (تمطر حجراً) في «غاليري جانين ربيز» في بيروت. ارتكز التجهيز إلى منحوتة مصنوعة من حجارة مصبوبة ضمن قالب من الشمع. المنحوتة معلقّة فوق صحن حديدي ومحاطة بمولدات لشعلات حرارية. تلك المولدات تتفاعل فقط مع اقتراب الجمهور من المنحوتة، فتلقي اللهب عليها ليذوب الشمع فتتساقط الحجارة على الصحن الحديدي مصدرة صوتاً يُسجّل ويعاد بثّه في باقي غرف المعرض، بالإضافة إلى فيديو ينقل مباشرة تحولات المنحوتة في غرف أخرى. تلك المنحوتة التفاعليّة استوحاها سليمان من خبر قرأه في الصحف خلال الانتفاضة الثانية عن مروحيات اسرائيليّة تحلّق فوق الضفة وترمي أحجاراً من السماء. يضعنا سليمان ضمن تجهيزه في موقع المسؤول عن الفعل، عن تساقط الحجارة، ثمّ يمدد منحوتته في الزمان والمكان ويدعها تتخذ أشكالاً أخرى أكان عبر الصوت أو الصورة المنقولة مباشرة إلى غرف أخرى.

يكشف لنا مراحل
تطوير أعماله الفنيّة عبر رسوماته

يتحوّل الفعل الملموس أمامنا والمشاركون في صنعه، إلى مجرّد صوت في الغرفة المجاورة، أو صورة في غرفة أخرى. عبر تجوّل زوار المعرض في أروقته، يتحوّلون ضمن مسارهم من المسؤول عن الفعل إلى متلقيه في أشكال متعددة تماماً كما يحدث مع الأحداث التي تجري حولنا، فنقرّر أن نتفاعل معها كمسؤولين عن الفعل، أو كمجرّد مشاهد له، أو قارئ لخبر في الصحيفة قبل أن ننقل نظرنا إلى خبر آخر.
كما في «تمطر حجراً» كذلك في أعماله الأخرى، يبحث سليمان عن تفاعل المشاهد مع عمله، مورّطاً إيّاه بشكل مباشر في تحوّل المنحوتة، وواضعاً إياه في موقع المسؤول عن خياراته في تلك اللحظة المباشرة، وبذلك في موقع المسائل للفعل الأكبر ضمن السياقات السياسية والاجتماعيّة على نطاق أوسع.
تلك المسؤولية في الخيارات التي يلقيها سليمان على المشاهد لم يتنصل منها كفنان بحدّ ذاته، بل اختار منذ سنوات عدة أن يتّخذ موقفاً واضحاً من تطوّر السوق الفنية العالمية. رغم أنه قدّم معارض فرديّة عدة وشارك في أخرى جماعيّة بين بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى ولبنان حتى «بينالي الإسكندريّة» عام ٢٠٠٧، إلاّ أنّه لم يدخل عالم الغاليريهات وليس لديه من يقيم له المعارض الدوريّة ويبيع أعماله في الأسواق الفنيّة، لأنه هكذا اختار.
في حوار بين سليمان وأبي خليل، يعلّق سليمان على منظومة العالم الفني المعاصر من الغاليريهات والمتاحف والمعارض الضخمة التي لم يفهم يوماً أسلوب عملها أو حاجتها، لا بل يستذكر زيارته إلى معرض «دوكيومنتا» مرّة بأنّها كانت أشبه بزيارة إلى عالم «فوغ ماغازين».
انطلاقاً من ذلك الموقف، دارت النقاشات بين أماندا أبي خليل وسهيل سليمان حول كيفيّة تقديم أعماله في «غاليري أجيال» في بيروت. وإذا كانت أماندا مهتمّة بعرض الرسومات، فكان لا بدّ من إيجاد سياق عرض لا يتناقض مع موقف الفنان من السوق الفنيّة. هكذا، اقترحت أبي خليل على سليمان تحويل ذلك المكعب الأبيض في «غاليري أجيال» إلى فضاء مختلف أشبه بمحترفه في لندن. تركت للفنان الحريّة الكاملة في إعادة تصميم المكان، وتوزيع الرسومات بالطريقة التي يجدها الأنسب. تقول أبي خليل لـ «الأخبار»: «كنت فقط الوسيط الذي عمل على إقناع سهيل بضرورة إخراج تلك الرسومات من سياق المحترف الخاص إلى المعرض، بسبب الأهميّة الفنيّة التي وجدتها فيها، لكنني لم أرد أن آتي من قلب المنظومة الفنية التي يتموقع سهيل خارجها، وأفرض عليه قوانينها. تركت له الحريّة في تقديمها بالشكل الذي لا يتعارض مع مسيرته الفنيّة». من جهّة أخرى، كان إصرار سهيل على تقديم أعماله بأسعار متاحة لجميع زوار المعرض من ١٠٠ حتى ٩٠٠ دولار أميركي. ويوضح لـ «الأخبار»: «تلك الرسومات ليست اسكتشات لمنحوتاتي، بل رسومات ألجأ إلى تنفيذها خلال مراحل تطوير المنحوتات. رسومات تساعدني في اختبار أشكال وأبعاد مختلفة على الورق». هكذا يقدم في المعرض مجموعة من الرسومات لأعمال تمّ تنفيذ بعضها، وأخرى لم ترَ النور يوماً بعد. واختار أن لا يقدّم صوراً توثيقيّة للمنحوتات التي أنجزها انطلاقاً من تلك الرسومات، إذ أراد لتلك الأخيرة أن تقدّم كأعمال فنيّة مستقلّة عن المنحوتة.
في «غاليري أجيال» الذي تحول إلى محترف النحات سهيل سليمان، لا منحوتات، بل رحلة في عالمه الفنيّ الخاص. فرصة للتعرّف إلى فنان اختار أن يتابع إنتاج أعمال فنيّة من خارج المنظومة المتحكمة بالسوق الفنيّة اليوم. إنّها رحلة استثنائية يدعونا فيها الفنان إلى الغوص معه في كواليس تجاربه ورسوماته التي تسبق تنفيذ منحوتاته.

* Just About Touching The Structure لسهيل سليمان: حتى ٦ كانون الثاني (يناير) ــ «غاليري أجيال» (بيروت). للاستعلام: 01/345213
(الحمرا) ـ للاستعلام: 01/345213