قبل عشرة أعوام، استضافت «مهرجانات بيت الدين» الموسيقي الكاتالوني الشهير جوردي سافال (1941) برفقة «مجموعة كابول» والمغنية الأفغانية فريدة محواش (الأخبار 10/10/ 2009) في أمسيةٍ تمحورت بشكلٍ أساسي حول التراث الأفغاني. مساء اليوم، يعود سافال إلى لبنان، بدعوة من الجهة التنظيمية الحديثة العهد Achillea بالتعاون مع السفارة الأسبانية في لبنان و«معهد ثرفانتس». الرجل هو عميد ما يسمّى بالموسيقى القديمة، والعديد من تسجيلاته يحوي أعمالاً مجهولة المصدر، يعود بعضها إلى القرون الوسطى الأوروبية.


وهذه الموسيقى التي كُتِبَت منذ مئات السنين (مطلع القرن الثامن عشر وما قبل) يتطلب أداؤها آلاتٍ موسيقية تقليدية كانت مستخدمة آنذاك، وسافال يحترم بدقة هذا التفصيل. بالتالي هو العازف الأول في العالم على هذه الآلات (الوترية)، على رأسها آلة معروفة نسبياً هي الفيولا دا غامبا، التي ولّد تطويرها التشيلّو. إذاً، كموسيقي أوروبي كلاسيكي بدأ الرجل أبحاثه في تراث ما قبل باخ، وكاسباني/كتالوني راح يعمّق البحث جغرافياً بدءاً من بلده وبلدان شمال وجنوب حوض المتوسط (المغرب، الجزائر، إيطاليا…)، ما فتح له باب الشرق الذي أوصله إلى إيران وأفغانسان وتركيا وسوريا وغيرها. ولمّا كانت لهذه الثقافات خصائصها لناحية الآلات المستخدمة فيها، فقد تعاون سافال مع موسيقيين شاركوه في تنفيذ تسجيلات ذات طابع توثيقي في جزء منها (إذ نقرأ على أغلفة أسطواناته أن بعض المقطوعات القديمة تُسجَّل للمرة الأولى في التاريخ). في حياة جوردي سافال تاريخ مفصلي وثلاثة عناصر أساسية. التاريخ المفصلي هو نهاية العام 1991. قبل هذا التاريخ، كان معروفاً في أوساط المهتمّين بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، وتحديداً حقبة الباروك وما سبقها. في تلك السنة، نقل المخرج الفرنسي ألان كورنو رواية «كل صباحات العالم» (Tous les Matins du Monde) لمواطنه الأديب باسكال كينيار إلى الشاشة الكبيرة. وبما أن القصة تتمحور حول المؤلف الشهير ماران ماريه (وزملائه في بداية حقبة الباروك) الذي كان يتمحور مشروعه حول آلة الفيولا دا غامبا، كان لا بد من الاستعانة بجوردي سافال في أهم عنصر في الفيلم: الموسيقى.

يشارك في الأمسية عازف الناي السوري مسلم رحّال
انتشر العمل بما يفوق التصوّر وكذلك شريطه الموسيقي التي أكسب سافال شهرة عالمية. العناصر الثلاثة الأساسية في حياته المهنية هي: أولاً زوجته، السوبرانو مونسيرات فويرغاس التي رحلت عام 2011. ثانياً، Alia Vox الشركة التي أسسها لنشر تسجيلاته. أخيراً، الفرق التي أسسها، وأهمها Hespèrion XX التي تحوّلت إلى Hespèrion XXI مطلع الألفية وتتولى تنفيذ ما ينبشه في أبحاثه. هذه الفرقة تخضع غالباً لتطعيمات من خارجها، بحسب الحاجة إلى موسيقيين من بلدان وثقافات مختلفة. مثلاً، في أمسيته الليلة، ستضم الفرقة على سبيل المثال عازف الناي السوري مسلم رحّال، نظراً إلى عنوان البرنامج «شرق غرب»، وهو مشروع من جزءين ثانيهما مهدى إلى سوريا (شارك فيه رحّال إلى جانب وعد بوحسون وأميمة الخليل وغيرهما).
يطول الحديث عن جوري سافال، إذا أردنا تناول تسجيلاته بين قيمتها التنفيذية (الأداء الجيّد غالباً) وقيمتها الجمالية الأصلية (إذ بعض الأعمال القديمة لا تطاق!). لكن اسمه سيبقى بين أبرز الشخصيات في مجاله وكرسول سلام أيضاً (لكن بنظر بعض المستشرقين والسذّج فقط) إذ يركّز على أشهر ثلاثة حوارات في التاريخ (وأكثر «السلع» انتشاراً بعد تراجع مستوى الفكر السياسي في العالم!)، وهي: بين الشرق والغرب، بين الأديان وبين الحضارات. كما يحمِّل بعض مشاريعه دعوة إلى التلاقي، من ساراييفو، إلى أفغانستان، إلى القدس المحتلّة… واليوم سوريا.
أخيراً، في أمسية الليلة، وضع جوردي سافال برنامجاً جامعاً، يضم تراثاً أرمنياً وأوروبياً شرقياً وإيطالياً وتركياً وغير ذلك مِمّا تركوه لنا أجدادُنا البشر الذين مارسوا الموسيقى قبل قرون.



«شرق غرب» لجوردي سافال: 20:00 مساء اليوم ــ كنيسة القلبين الأقدسين (الجميزة) - للاستعلام: 999666/01