من الصعب تقييم «المحطة الأخيرة» (2012) الذي طرح أخيراً في الصالات اللبنانية. شريط المخرج البرازيلي من أصل لبناني مارسيو كوري الذي يجمع تشكيلة من الممثلين، ويتوقف عند محطات كثيرة بين برازيل ولبنان والماضي والحاضر، يبدو كالقطار الهائم بلا وجهة. يروي الفيلم قصة هجرة الشاب اللبناني طارق من بلدة منيارة إلى البرازيل أثناء الخمسينيات.


على متن الباخرة، يلتقي بشبان من مناطق لبنانية مختلفة يكوّن معهم صداقات ويغرم بصبية سورية، إلا أنّ أخاها يعارض العلاقة، فمن المفترض أن يعقد قرانها على رجل آخر. ثم يفترقان لدى وصولهما إلى البرازيل. بعدها، تبدأ رحلة طارق على هذه الأرض الغريبة، فيعمل كبائع خردة متنقل إلى أن تتحسن أحواله المادية ويفتح متجره الخاص. ذلك هو الفصل الأول من الفيلم قبل أن يقفز إلى حقبة زمنية مختلفة. أكثر ما يميز هذا الفصل هو رداءة أداء الممثلين الشباب الذين يرددون الحوارات الإنشائية بطريقة ميكانيكية تجعل كل المواقف الدرامية المتناولة تبدو كوميدية، باستثناء الأداء المقنع للممثلة رلى حمادة التي تلعب دور أم «طارق».
بعدها، نرى طارق الكهل (منير معاصري) بعد وفاة زوجته. يذهب في رحلة هو وابنته للبحث عن رفاقه على الباخرة الذين لم يرهم منذ 50 سنة. يسافر من مدينة إلى أخرى ليصل أخيراً إلى «علي» (شيكو سانتانا) الذي أنقذ حياته في ما مضى ويعتذر منه لعدم مساندته حين اعتقلته الشرطة فور وصوله إلى البرازيل.

يعود طارق إلى منيارة
بعد عقود من الهجرة

بعدها، يعود برفقة زوجته البرازيلية الجديدة إلى منيارة حيث يقيم لهما السكان عرساً في نهاية فكاهية يضعها الفيلم. بداية الشريط غير مقنعة لا تساعد في إضفاء صدقية على بقية القصة، فمن الصعب فهم سبب تعلق طارق بهؤلاء الرفاق الذي لا ينجح الفيلم في تصوير أية علاقة فعلية بينهم لا في الماضي ولا في الحاضر، هذا بخلاف أنهم جميعاً لسبب غير مفهوم يتكلمون العربية بركاكة باستثناء طارق الذي لا يجيدها البتة. تفصيل مفتعل لتأكيد تمسكه وحده بهويته اللبنانية. إلا أنّ المثير للاهتمام هو التفاعل بين طارق وابنته التي تؤدي دورها ببراعة الممثلة البرازيلية كلارا لوباتو والتصادم بينهما الذي يعكس بشكل ملموس أزمة الاغتراب والهوية المزدوجة. عبر مواقف عدة، يصور الفيلم صراع الابنة للتحرر من ذكورية أبيها. حين تسمعه يتحدث مع صديقه عن تزويجها مثلاً، تثور عليهما أو حين يدخل طارق إلى غرفتها في الفندق بعد رؤيتها تودع شاباً برازيلياً عند الباب، يتفحص الشراشف للبحث عن دليل لفقدانها عذريتها، فتصدم الابنة التي تخبره أنه لن يجد شيئاً لأنها بالطبع ليست المرة الأولى. من جهة أخرى، ينتقد الفيلم عنصرية اللبنانيين تجاه البرازيليين ذوي البشرة الداكنة كما طارق الذي يشتم صديق ابنته البرازيلي، واصفاً إياه بالمهرج الأسود ولو أنه يتزوج لاحقاً امرأة سمراء هي «سيكا» (الممثلة البرازيلية اليوا لوسيندا) ويعود برفقتها إلى لبنان. في أحد المشاهد، تصفها إحدى نساء القرية بـ «العبدة». العلاقة بين «طارق» و«سيكا» والأحاديث المعبرة بينهما تختلف عن بقية الحوارات التي تتسم بطابعها المسطح. اللغة السينمائية أيضاً لا تعوض تفكك السرد الروائي، وتقارب الكليشيه كما في لجوئها المتكرر إلى الفلاش باك. لعل هذا العمل يعبر عن صورة لبنان الفولكلورية كما تعيد رسمها مخيلة الاغتراب في حين أنّ الذكورية والعنصرية هما الآثار الوحيدة الملموسة المتبقية من وهم لبنان العظيم.



«المحطة الأخيرة»: «غراند سينما» (01/209109) و«فوكس» (01/285582)