تونس | بعد أسبوع من الفرجة وكثافة غير مسبوقة في عدد الأفلام، اختتمت الدورة 25 من «أيام قرطاج السينمائية» مساء السبت مؤكّدة الحضور اللافت للسينما التونسية رغم أنّها لم تتوج بالتانيت الذهبي، إلا في مسابقة الأفلام القصيرة التي حازتها كوثر بن هنية عن شريطها «يد اللوح». الحصة الكبرى من الجوائز استحقها فيلم «عمر» للفلسطيني هاني أبو أسعد الذي نال أربعاً منها في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة («التانيت الذهبي» و«جائزة أفضل سيناريو» و«جائزة الجمهور»، و«لجنة تحكيم الشباب»).


وفي المسابقة نفسها، فاز «هم الكلاب» للمغربي هشام العسري بـ «التانيت الفضي»، وحاز «قبل تساقط الثلوج» للعراقي هشام زمان «التانيت البرونزي». وعن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة، استحق «المطلوبون الـ 18» للفلسطيني عامر الشوملي جائزة «التانيت الذهبي»، وحصد «امتحان الدولة» للكونغولي دويدو حامادي «التانيت الفضي»، فيما نال «التانيت البرونزي» شريط «القرط» للتونسي حمزة العوني. أما في فئة الأفلام العربية الأفريقية القصيرة، فقد ذهب «التانيت الذهبي» لـ «يد اللوح» للتونسية كوثر بن هنية، و«التانيت الفضي» لـ «ماداما استر» للمدغشقري للوك رازاناجوانا، و«التانيت البرونزي» لـ «أيام الماضي» للجزائري كريم موساوي.

«بدون ٢» للجيلاني السعدي ينتمي إلى السينما التجريبية



هذه الدورة، لفتت السينما التونسية الانتباه ليس على مستوى الكم فحسب، بل أيضاً على مستوى المضمون. «يد اللوح» ليس العمل التونسي الوحيد الذي تم تتويجه، بل فاز وثائقي «القرط» لحمزة العوني بالتانيت البرونزي. الشريط الذي صوِّر في مدينة المحمدية قريباً من العاصمة، يقدم شهادة حية على واقع البؤس والحرمان الذي يعانيه عدد من التونسيين. يكشف الفيلم الحياة اليومية للمدينة عبر مجموعة من الشخصيات الحقيقية منها خير الدين الحجري، ومحمد العقربي، وعبد القادر الساحلي. هذا العمل يصور عالم الشباب المهمش الذي تجاهلته مشاريع التنمية، فغرق في الإحباط والكحول والمخدرات. ويأتي الشريط عبر مشاهده مفعماً باللهجة اليومية التونسية بكل ما فيها من قاموس البذاءة احتجاجاً على بذاءة الواقع الذي يعيشه الشباب التونسي. كما توجت «أيام قرطاج» في مسابقة الأفلام الوطنية شريطي «نقاش ربيع» لانتصار بلعيد الذي حاز الجائزة الأولى وشريط «عبدالرحمان» لإلياس الصفاقسي الحائز الجائزة الثانية، كما حاز شريط تونسي آخر هو «بوبرنوس» لبديع شوكة جائزة قناة TV5.
ليست هذه الأفلام فقط التي لفتت الانتباه في «الأيام». حظي وثائقي «على هذه الأرض» لعبد الله يحيى باهتمام لافت، دوّن الفيلم مأساة قرية العمران في محافظة سيدي بوزيد بعدما قرر عدد من سكانها الاعتصام احتجاجاً على سياسة حكومة الإسلاميين وأغلبهم من الشيوخ والعجائز، فواجهوا عنف الأمن والتنكيل. عرّى الشريط التفاف حكومة الترويكا بقيادة الإسلاميين على مطالب الفقراء والمهمشين الذين أوقدوا شرارة الانتفاضة الشعبية التي أسقطت النظام السابق.
كما قدمت أفلام طويلة منها «باستاردو» لنجيب بلقاضي الذي أقصي من المسابقة الرسمية لكنه حاز جائزتي «الاتحاد العام التونسي للشغل» وقناة TV5. في المسابقة الرسمية، اكتفت تونس بشريط واحد طويل هو «بدون ٢» للجيلاني السعدي. صاحب «خرمة» و«عرس الذيب» أحدث جدالاً كبيراً، لأن عمله ينتمي إلى السينما التجريبية التي لم يعتدها الجمهور التونسي كثيراً حتى اليوم. شاركت تونس أيضاً بالشريط الروائي الأول لنصر الدين السهيلي «شاق واق» الذي عرض خارج المسابقة الرسمية. إلا أنّ عدداً من المتابعين اعتبروا استبعاده من المسابقة قراراً ظالماً. الشريط رحلة في عالم الليل في حي «باب الحديد» الشعبي في قلب العاصمة، حيث الدعارة والمخدرات والإدمان على الكحول وقصص الحب التي لا ترى الشمس وعالم الطالبات اللواتي يسقطن في الدعارة بسبب الفقر. وشارك في العمل نجوم التلفزيون التونسي من عاطف بن حسين وصالحة النصراوي وتوفيق الغربي إلى الوجه الجديد مريم الصياح. خارج المسابقة الرسمية أيضاً، قدم التونسي المقيم في روما محمد شلوف وثائقياً عن مؤسس «أيام قرطاج» الطاهر شريعة. تضمن الشريط شهادات نادرة ووثائق سينمائية وتلفزيونية تكشف عن الدور الذي لعبته «أيام قرطاج» في تنمية السينما الافريقية، لا التونسية فقط. وفي باب الأفلام الوثائقية أيضاً، قدم المنتج التونسي المقيم في باريس محمد الشرباجي «ألحان المنفى». الشريط رحلة في عالم المهاجرين الجزائريين والتونسيين الأوائل في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، مضيئاً على ولادة الموسيقى العربية في فرنسا. وصلت النسبة العامة للأفلام التونسية في الدورة الـ 25، إلى حوالى ٤٠ في المئة في مختلف الأبواب. مع ذلك، اعتبرت الغرفة النقابية لمنتجي الأفلام الطويلة أن ذلك ليس كافياً، واحتجوا على ما اعتبروه «تهميشاً للسينما التونسية» وأسسوا مهرجاناً موازياً بعنوان «خارج المشهد» قدموا فيه الأفلام التي أقصتها لجنة اختيار الأفلام بحسب قولهم.
هذا الحضور الكبير للسينما التونسية يمثل مفارقة كبيرة في المشهد الثقافي المحلي. رغم تحول «أيام قرطاج» الى تظاهرة سنوية بدءاً من العام المقبل (كانت تقام كل عامين)، والحضور الكثيف للجمهور في المهرجان وتعدد الملتقيات السينمائية من بنزرت إلى سوسة وهرقلة ونابل، ومضاعفة الميزانية المخصصة للدعم الانتاج إلى حوالي ٥ مليون يورو، إلا أن اندثار قاعات السينما ما زال متواصلاً. لم تبق إلا عشر صالات في كامل الجمهورية التونسية، بعدما كان عددها يتجاوز المئة في أواخر الثمانينيات!