ضمن «مهرجان السينما الأوروبية»، عُرض فيلم آلان رينيه (1922 ــ 2014) «أن تحب وتشرب وتغني» (2014) الذي جاء بمثابة تصريح ضد السينما. أيضاً، يفكك المخرج الفرنسي هنا عمداً كل أسس السرد السينمائي بدءاً من «هيروشيما يا حبي» (1959) أحد أوائل أفلامه وأشهرها أو «السنة الفائتة في مارينباد» (1961) وصولاً إلى «أن تحب وتشرب وتغني».


أعمال تروي سيرة مخرج احتال على مفهوم الزمن في السينما الذي كان هاجسه الأول، وعبث مطولاً في بنية السرد السينمائي مازجاً بين المسرح والأدب في محاولة دائمة لإعادة تركيب العلاقة بين الزمن والمكان في السينما، مستغلاً قدرة الصورة على الوصل بين عوالم مختلفة. وإذا كان قد انطلق في «هيروشيما يا حبي» (من خلال سيناريو مارغريت دوراس) من فكرة المكان (هيروشيما) ليأخذنا عبر خيال البطلة إلى الزمن المعلق بين ذكرياتها في فرنسا وهيروشيما، ففي «أن تحب وتشرب وتغني»، يصوّره أشبه باللا مكان. أبطال الفيلم ثلاثة أزواج يعيشون ضمن ديكور مسرحي موحد مستوحى من صور حكايات الأطفال.

لعبة معقدة يبنيها المخرج الراحل للممثل داخل الممثل

تطالعنا الحدائق الجميلة المتشابهة في المقدمة حيث يصوّر المخرج أغلب المشاهد.
أما المنازل في الخلف، فحيطانها مصنوعة من الستائر. طوال الفيلم ــ باستثناء مشهدين صوب النهاية ــ لا نرى ما يحدث داخل هذه المنازل الخفية التي تشكل الحياة الفعلية للشخصيات في حين أنّ الحديقة هي خشبة المسرح.
أبعد من ذلك، نحن إزاء لعبة معقدة يبنيها المخرج للممثل داخل الممثل. الشخصيات كلها تحضر لمسرحية ستشترك في تمثيلها اسمها «حياة رايلي» (عنوان مسرحية آلان آيكبورن).
بينما يتدرب الممثلون على أدوارهم في المسرحية الافتراضية التي تتشابه مع أدوارهم الحقيقية في الفيلم، يلعب المخرج بطرافة على هذا الالتباس بين الشخص والممثل، والسينما والمسرح ساخراً من بناء السيناريو كما عندما تتدرب كاثرين (سابين أزيما) وزوجها كولن (ايبوليت جيراردو) على نص المسرحية. وحين لا يفهم معنى لحظة الصمت في السيناريو، تخبره هي أنّها مخصصة لضحكات المشاهدين. البطل الأساسي في الفيلم الذي يحرك كل الأحداث كما المخرج هو جورج الذي لا نراه أبداً في الفيلم. هو مصاب بالسرطان أخبره الطبيب أنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر.
هذا الخبر المحزن يدفع أصدقاءه إلى التعاطف معه في البدء، قبل أن تهجرهم زوجاتهم اللواتي يتنافسن على الاهتمام بجورج، وتسعى كل منهن للفوز به. من جهة جورج، فهو يدعوهن للسفر برفقته في إجازته الأخيرة، إلا أنه في النهاية لا يختار أية واحدة. يبدو جورج الغائب الذي على فراش الموت، أكثر طاقة على الحياة من باقي الشخصيات المعلبة داخل مسرح حياتها. عبر ديكورات الاستوديو البلاستيكية الموحدة أو الرسوم المتحركة التي تصل كل جزء بآخر من الشريط، لا جمالية معينة يبتغيها المخرج غير إلغاء الجمالية وتسطيحها، وبطريقة أشمل، نقض وهم السينما ككل كما يفعل أيضاً من خلال تفكيكه لشخص الممثل من خلال الحوارات.
يغادرنا رينيه مع هذا العمل الذي يمثل حالة كاملة من التجرد من هم الإمتاع البصري عبر هذا العالم البلاستيكي البارد الذي يصوره قبل أن يخرج من الاستوديو للسينما، أو من الواقع للوهم أو ربما العكس. أما الحياة الفعلية فهي الشيء الوحيد الذي لا يمكن تصويره وتبقى خلف الستارة مثلها مثل جورج الذي يغادرها من دون رؤيته تماماً كالمخرج.