القاهرة | شيع المثقفون المصريون أمس الكاتبة رضوى عاشور (1946 ــ 2014) عقب صلاة الظهر من «مسجد صلاح الدين» في ضاحية المنيل قرب الجسر المؤدي إلى «جامعة القاهرة». رغم أنّ الكاتبة الراحلة أوصت بتشييعها من «مسجد عمر مكرم» في قلب ميدان التحرير الذي عايشت فيه أغلب الأحداث المفصلية في الثورة المصرية على بعد خطوات من بيتها في «شارع هدى شعرواي» (باب اللوق)، الا أنّ إغلاق الميدان حال دون ذلك. هذا ما دفع أسرتها إلى اختيار مسجد آخر لتشييع الجثمان يكون قريباً من الجامعة التي كانت من بين رموز الثقافة المصرية الداعية إلى استقلالها دائماً.


يعرف المقربون من عاشور كيف أنّ الموت كان قريباً في السنوات الثلاث الأخيرة. حتى أنّ كتابها الأخير «أثقل من رضوى» (مقاطع من سيرة ذاتية ـ دار الشروق 2014) بدا كأنه ترويض لهذا الموت وإزاحة ثقله سواء باستدعاء أطياف من سيرتها، إلى جانب كتابة يوميات تضمنت مرحلة إقامتها في أحد المستشفيات الأميركية أو مخاتلة لواقع التغيير والانكسار في مصر. تابعت الثورة المصرية، وتحايلت على مرضها لبلوغ ميدان التحرير مع نجلها الشاعر تميم البرغوثي ورفاقه، فضلاً عن مساحة من البوح الكاشف لخصوصية علاقتها بزوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي الذي ارتبطت به منتصف الستينيات خلال سنوات الدراسة الجامعية. تعطي سيرة عاشور المولودة في القاهرة، صورة نموذجية لما يسمى بـ «المثقف الملتزم». جيلياً، انتمت إلى الموجة الأخيرة من موجات كتاب وكاتبات جيل الستينيات من حيث طغيان فكرة الالتزام السياسي بالمعنى الجديد الخالي من صيغ التبشير، إلى جانب الإخلاص لفكرة العروبة الواعية بخصوصيات المجتمعات العربية، مع إخلاص نادر لفكرة المقاومة والنضال لاستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة. كتاباتها إجمالاً تمسّكت بكل هذه الثوابت وصاغتها في سبيكة ابداعية لافتة من حيث قدرتها على ابتكار صيغ للتخييل الأدبي تؤسس لمعنى مغاير لأنوثة الكتابة ومسؤولياتها.
من ناحية، تشير سيرتها الأكاديمية إلى مركزية «فكرة الالتزام» والانحياز إلى الأصوات المقموعة. بعدما درست اللغة الإنكليزية في كلية الآداب في «جامعة القاهرة»، وحصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من الجامعة نفسها،

روايتها التاريخية «ثلاثية غرناطة»
كانت ضمن أكثر الأعمال رواجاً


انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث نالت شهادة الدكتوراه من «جامعة ماساتشوستس»، بأطروحة حول الأدب الأفريقي الأميركي. في مرحلة لاحقة، سعت الى توجيه تلاميذها لدراسة الأصوات المهمشة في الأدب الافريقي ودراسات رواية “ما بعد الاستعمار” انحيازاً لبلاغة المقموعين الذين تبنت صوتهم بوضوح عبر انخراطها الباكر في تأسيس «لجنة الدفاع عن الثقافة القومية» عقب توقيع اتفاقية كامب دايفيد عام 1978. في تلك السنوات، زاملت لطيفة الزيات التي كانت واحدة من أيقونات التغيير في اليسار المصري. شخصية تركت أثراً كبيراً في رضوى عاشور المنتمية إلى عائلة مصرية ذات أصول عريقة.
في عام 1977، نشرت عاشور أول أعمالها النقدية، «الطريق إلى الخيمة الأخرى» حول التجربة الأدبية لغسان كنفاني. وفي 1978، صدر لها بالإنكليزية كتاب «جبران وبليك». دراسة نقدية شكلت أطروحتها لنيل شهادة الماجستير وتشكّل مفتاحاً لمدى التصاق عاشور بالقضية الفلسطينية وتجذر هذا الالتصاق بعد زواجها من مريد البرغوثي الذي كان يدرس معها ومع أهداف سويف في القسم نفسه. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، وتحت حكم الرئيس أنور السادات، مُنع زوجها الكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي من الإقامة في مصر، ما أدى إلى تشتّت أسرتها. أسهم هذا الحدث في التفاتها إلى فكرة الشتات التي هيمنت على عمليها الكبيرين «ثلاثية غرناطة» و«الطنطورية» حيث التأكيد على ملمحي «المقاومة» و«مواجهة خطر الاقتلاع»، إذ ظلت المعركة دائمة تخص التلاعب بالذاكرة. ورغم أنّ عاشور كتبت نصاً مهماً في أدب الرحلة هو «الرحلة ــ أيام طالبة مصرية في أميركا» (1983) الا أنّه لم يحظَ بقراءة واسعة خلافاً لأعمالها التي تتابعت بعد ذلك، ورسخت وجودها ضمن كتاب الستينيات عقب إصدار ثلاث روايات هي «حجر دافئ»، «خديجة وسوسن وسراج» والمجموعة قصصية «رأيت النخل» عام 1989. تجربة توّجت بإصدارها روايتها التاريخية «ثلاثية غرناطة» عام 1994 التي حازت ــ بفضلها ـ جائزة أفضل كتاب في معرض الكتاب في القاهرة في العام نفسه.
في السنوات الثلاث الأخيرة، حظيت هذه الرواية بقراءة على المستوى الشعبي عقب صدورها عن «مكتبة الأسرة». وكانت أيضاً ضمن أكثر الروايات المصرية رواجاً، بل قابلية لعملية القرصنة والتزوير. لكن الراحلة أبدت سعادة كبيرة في أكثر من مناسبة لوجود تلك الرواية بين أيدي الشباب الذين فتنتهم. وبين 1999 و2012، نشرت رضوى أربع روايات ومجموعة قصصية واحدة أهمها رواية «الطنطورية».
وقبل أحداث الثورة المصرية، تركز عملها الأكاديمي على دعم «جماعة 9 مارس» التي أسّسها أكاديمون لدعم فكرة استقلال الجامعة عن التدخلات السياسية. خبرة نقلتها بالتفصيل في كتابها الأخير “أثقل من رضوى” المكتوب بقوة “يوميات فترة المرض” وأحداث الثورة المصرية. كتاب يختلف في بنيته السردية عما كتبته رضوى في السابق، لكنه يذكّر بما كتبه سعد الله ونوس في أيام مرضه الأخيرة حيث الكتابة حيلة لترويض الموت ومواجهته والتشبث بالذاكرة. آلية من آليات المقاومة وتأكيد قدرة الذات الفاعلة، بلغت بها رضوى الحد الأقصى في نصيها البديعين «ثلاثية غرناطة» و«الطنطورية». تدور الأولى في مملكة غرناطة بعد سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس. وتبدأ أحداث الثلاثية في 1491 وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة بإعلان المعاهدة التي تنازل بمقتضاها أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك غرناطة عن ملكه لملكي قشتالة وأراجون. تحكي قصة عائلة غرناطية ابتداء من الجد أبو جعفر إلى الحفيد الأصغر علي مروراً بمريمة. ما يميز هذه الرواية بالفعل هو إقامة متخيل سردي على وقائع تاريخية وغوص في أدق تفاصيل اليومية والحياتية لهذه العائلة والأشخاص المحيطين بها، بحيث تبدو «الأندلس المفقود» فردوساً كاملاً لكنه معنى غائب، وقيمة يستحيل تعويضها. استعملت الكاتبة هذه العائلة كرمز للأندلس بأسرها، بالكشف عن تناقضاتها وتنوعها.
إنّها رواية عن «الهويات القاتلة» بتعبير أمين معلوف حيث يعبر الخوف عن نفسه بجلاء. وفي عملها الكبير «الطنطورية» (نسبة الى قرية الطنطورة الواقعة على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا)، تعيد عاشور اكتشاف قسوة العيش في المخيم الفلسطيني بالتركيز على مذبحة وقعت في القرية عام 1948 على يد العصابات الصهيونية. كما تتابع حياة عائلة اقتلعت من القرية وحياتها عبر ما يقرب من نصف قرن حتى الآن مروراً بتجربة اللجوء في لبنان. بطلة الرواية امرأة من القرية يتابع القارئ حياتها منذ الصبا الى الشيخوخة. وكما فعلت في «غرناطة»، تقوم الرواية على المزج بين الوقائع التاريخية من ناحية، والإبداع الأدبي من ناحية أخرى، تأكيداً على حضور مَن أسمتهم عاشور في أحد كتبها النقدية البديعة «صيادو الذاكرة» وكانت منهم وستظلّ.