القاهرة | إنها مدينة عالمية بامتياز، والعالمية هنا لا تعني التصوّر الهيكلي للعقارات وأنماط الشوارع، لكنه هذا التطور المرتبط بالشخصية وأوجه الحياة والتناقضات ودوائر التوتر والضغط. في مشروع مميّز لمؤسسة edition esefeld & traub الألمانية، صدر الكتاب السادس من السلسلة التي توثّق للمدن المركزية في العالم وثقافة المكان. تحت عنوان «مدينتي القاهرة» (288 صفحة)؛ حرّر الكتاب يورغ امبروستر وسليمان توفيق، بينما حملت الصور توقيع باربرا امبروستر وهالة القوصي.


للقاهرة جاذبية خاصة تتحدد بوجود الأحياء العربية القديمة، والشوارع الضيقة والمساجد والكنائس والأسواق. على الجانب الآخر، ترتفع المباني الشاهقة والفنادق العالمية في تناقض مثير للفضول. إنها المغناطيس الذي يجذب كل المثقفين من أطراف مصر، كل نازح يحمل أحلامه فوق كتفيّه، ويزحف بها نحو القاهرة في رحلات هجرة منتظمة نحوها.
يبرز الكتاب طبيعة السحر الخفي الذي يشع من بين أزقة القاهرة ومقاهيها، فالسحب السوداء لعوادم السيارات تتداخل مع تلك الأصوات المنبعثة من مقاهي وسط البلد في معادلة سوريالية لا تنتهي. البيوت في الأحياء الفقيرة أشبه بالمشي بين أخاديد مرصوصة. يبدو أن الكتاب أراد تقديم رصد جمالي لثقافة المكان وتغيراته. تأمّل تلك الحالة التي تنتابك عندما يتداخل صوت أذان المساجد مع أجراس الكنائس في مشهد مهيب يندفع خلاله النيل كأفعوان يشق وسط المدينة ويشطرها إلى نصفين. عليك أن تتآلف مع القاهرة وتقبل بشروطها، وإلا ستأخذ نصيباً من اسمها وتقهرك. عندها، لن تنفع أشجارها المتراصة التي تشحذ الظلّ.

شارك في المشروع أكثر من 60 كاتباً وكاتبة من مصر وألمانيا

الكتاب مطعم بمجموعة من الصور التي ترصد فسيفساء القاهرة بين النزعة الإكزوتيكية إلى معالم الطراز الإسلامي، كما بين القاهرة القديمة والأحياء البسيطة وتلك الأرستقراطية، و«ميدان التحرير». إنها المدينة المركز (قطب المغناطيس) التي تندفع منها خطوط المجال المغناطيسي الذي يتعامل بشراسة وعنف من البسطاء من أهالي الريف والأقاليم والنجوع. يتركّز المشروع على مفهوم الصراع اليومي والمشاهد الغريبة في الشوارع، بينما تشكّل الصور الفوتوغرافية مؤشراً إلى أعماق الحياة اليومية لسكان المدينة (20 مليون نسمة). أمام هذا الواقع المزري، يندفع الشباب نحو الشوارع والميدان في محاولة منهم لتغييره. وجبة ثقافية يتوازى فيها النصّ/ الصورة لأكثر من 60 كاتباً وكاتبة من مصر وألمانيا. لا يُمكنْ تصنيف طبيعة النصّ المدوّن في هذا الكتاب، فالأعمال تراوح بين قصة قصيرة، وخاطرة، وتدوينة، ونصوص سردية عن المكان. في نصه المميّز «مزاج القاهرة»، كتب محمد الفخران: «القاهرة مدينة تحب أن تعيش بمزاجها رغم أيّ شيء، ويحب أهلها أن يعيشوا بمزاجها رغم أيّ شيء». ويتابع، «لا توجد صور مكررة في القاهرة هي لا تكرر مشاهدها، لكل لقطة مزاجها، وطريقتها في التعبير عن نفسها، حتى وإن اشتركت مع غيرها في كثير من المكونات، لذا تتعدد فيها النماذج البشرية...». تحت عنوان «في أي وقت»، نقرأ في نص الكاتب المصري محمد خير: «ستسقط من على الجدران ألواح الدعايات القديمة بعضها مضحك وغالبيتها تدعو لشراء ماركات لم يعد لها وجود، ستصطدم بالأرض، ولكن الغبار لن يجد فرصة ليرتفع أو يوّسخ أحداً، لأن الدماء ستأخذه وتهبط به». إنه مقطع بصري لحالة متكررة تحدث في أحد مقاهي القاهرة التي تنشرخ فيها زجاجات البيرة، ويستأثر كل زبون بحاله ومصيره المحتوم. أما القاص مكاوي سعيد، فيذهب نحو إحدى مهن الاسترزاق التي اختفت تقريباً من أزقة القاهرة. ذلك أنّ المدينة ابتلعت البيانولا، ذلك الصندوق الخشبي الذي يربطه الساعي بحزام حول خصره ويعزف ألحاناً عالمية مجهولة. لم تكن هذه المهنة الوحيدة التي اختفت من شوارع القاهرة، بل هناك أيضاً الأرجواز الذي انتهى بوفاة آخر السلالة «عم محمد».
في منعطف آخر من الكتاب، وتحديداً «في مدينة الموتى»، بُنيتْ البيوت للموتى بشكل يتيح مجالاً لمقارنتها، من ناحية المعمار، بالبيوت في بومبي. هكذا يشير الكاتب الألماني مارتن موزيباخ في استعراض لرحلته في إحدى المقابر داخل الأحياء القديمة. والأطفال في تلك المدينة كأنهم أبرموا اتفاقاً للتعايش مع العالم السفلي. وفي بعض المقابر، نرى رجلاً معتكفاً ورعاً ومعه مساعده الصوفي يعدّ الشاي. لا قيود هنا للرقص الصوفي وممارسة طقوسه التي تبدأ من الرقص بالأثواب الريفية والعمامات الخضراء. وبحسب موزيباخ، فإن تلك الرقصات الشرقية الروحانية تذكرنا بكلمات الشاعر الألماني غوته حين يقول «لا يمكنك الفناء/ هذا ما يجعلك كبيراً/ وإنك لم تبدأ أبداً/ وهذا هو مصيرك». علماً أنّه صدرت أعمال أخرى من السلسلة توّثق لثقافة المكان والمدن المركزية في العالم منها طوكيو، ساو باولو، حلب، نيويورك، وموسكو.
http://www.edition-et.de