حظي تنظيم «الدولة الإسلامية» بدعم كبير، على مختلف الصعد، يتجاوز دائرة الأفراد، إلى الكيانات، وأجهزة الاستخبارات، والحكومات. دعم «من تحت الطاولة»، سرّي في ظاهره، لكنه لا يكاد يخفى على أحد. على هذا النحو، أسهمت وسائل إعلام كثيرة في الترويج للتنظيم بوسائل عدة، قبل أن يتفق الجميع فجأة على أنّ «داعش» تحوّل إلى بعبع تجب محاربتُه.


والحال أنّ هذا البعبع بات حقيقة واقعة، تحظى بالاكتفاء الذاتي، في مناحٍ كثيرة، من بينها الإعلام. فضلاً عن امتلاك التنظيم أذرعاً إعلامية متشعبة، تمدّدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر موقع رسمي على الإنترنت ترفده مواقع «صديقة» منوّعة، ها هم أنصاره يحتفون اليوم بـ«فتح إعلامي جديد». كيف لا، وقد صار لـ«دولة الخلافة» فضائياتها المؤيدة أيضاً؟!
أنصار التنظيم انشغلوا عبر مواقع التواصل خلال اليومين الماضيين بالاحتفاء بقناة «التوحيد»، وهي فضائية «مؤيدة لدولة الخلافة». ذهب بعضهم إلى القول إنها افتتحت حديثاً. في الواقع، افتتاح القناة يعود إلى أواخر العام الماضي، لكنّها بدأت أوّل الأمر بوصفها واحدة من القنوات الدينية التقليدية، وروّج القائمون عليها أنّها «تبث برامج دينية توعوية، وآيات من القرآن الكريم على مدار اليوم».

أفصحت عن دعمها للتنظيم الإرهابي، وبدأت تبثّ بعض «الأناشيد الجهادية»

بعد افتتاحها بفترة، بدأت القناة تُعرّف عن نفسها بأنّها «ﻗﻨﺎﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺞ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨّﺔ ﻭﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ»، وأضافت إلى برامجها «ﺩﺭﻭﺱ ﻋﻠﻢ، ﻭخطباً ﻷ‌ﻓﻀﻞ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﺸﻴﻮﺥ»، كسليمان ﺍﻟﻌﻠﻮﺍﻥ ﻭخالد ﺍﻟﺮﺍﺷﺪ، ﻭكمال ﺯﺭﻭﻕ، ﻭالخطيب ﺍﻹ‌ﺩﺭيسي، وتركي البنعلي... فضلاً عن برامج أخرى، مثل «قطوف سلفية» الذي يقوم على أقوال وفتاوى لبعض «كبار شيوخ السلفية»، مثل محمد بن عبد الوهاب، وعبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، قبل أن تُفصح أخيراً عن دعمها العلني لـ«الدولة»، وتبدأ ببث بعض «الأناشيد الجهادية».
تُعَدّ القناة توأماً لإذاعة «التوحيد»، وتبثان معاً من مدينة سرت الليبية. وتُعنى إدارتهما بالقيام بـ«نشاطات دعوية» في المدينة، مثل نشر اللافتات، ورعاية بعض الأحداث كـ«إدخال عامل نصراني نيجيري في الإسلام»، وبثّ الحدث على الهواء مباشرة.
قليل من البحث سيكون كفيلاً باكتشاف تبعية القناة، والإذاعة لـ«تنظيم أنصار الشريعة» في ليبيا. الدولة التي تحولت ــ منذ “باركها” الربيع العربي ــ إلى واحدة من الحدائق الخلفية لـ«الدولة الإسلامية». تبثُّ قناة «التوحيد» عبر القمر الصناعي «نايلسات»، وتؤكد أوساط «الدولة الإسلامية» أنّها بصدد توسيع بثها قريباً عبر أقمار صناعية أُخرى. لا يبدو أن القائمين على تلك الأقمار يرون بأساً في ذلك، إذ تحفل أقمارهم بعشرات القنوات المشابهة، ولا يميّز «التوحيد» عنها سوى أنّها كانت السبّاقة في المجاهرة بتوجهاتها، وأهدافها الحقيقية. لكنّ كل تلك الفضائيات لم تكن كفيلة بإثارة اهتمام المسؤولين العرب الذين سبق لهم أن طلبوا من إدارتي القمرين «عربسات» و«نايلسات» وقف بث بعض القنوات السورية. كذلك لم يكن الأمر كفيلاً على ما يبدو بلفت انتباه المعنيين بـ«محاربة الإرهاب». حسناً، هل ما زال البعض يتساءل «من أين جاءت داعش؟»!