بعد مشاهدة العرض الأول لوثائقي «بلدنا الرهيب» الذي أقامته مؤسستا «بدايات» للفنون البصرية و«هنريش بول» الألمانية في «متروبوليس أمبير صوفيل» أخيراً، سنفهم أنّ الشريط خالٍ من أي بروباغندا للثورة السورية، ومن الشتائم المستهلكة لعائلة الأسد على السواء. لا حاجة لكل ذلك. الفيلم (حائز الجائزة الكبرى في «مهرجان مرسيليا الدولي» ٢٠١٤) الذي أخرجه زياد حمصي ومحمد علي الأتاسي هو تأريخٌ لرحلة الكاتب المعارض ياسين الحاج صالح، من دمشق وصولاً إلى منفاه الاختياري والقسري في إسطنبول (أكتوبر 2013). لم يخب ظن الحاضرين الذين أتوا لمشاهدة دمار البلد «الجميل» الذي عرّاه الشريط إلى حدٍّ كبير.


نشاهد الدمار الذي خلّفه النظام السوري على الأبنية والمدن، فيما تُظهر المشاهد الأولى ياسين الحاج صالح مع زوجته سميرة والناشطة رزان زيتونة (كلتاهما معتقلتان اليوم لدى جهة إسلامية مجهولة ولا يعرف عنهما شيء) يساعدون في تنظيف شارعٍ ضمن حملةٍ شعبية ينظمها المتطوعون التابعون للجيش الحر. اللافت هو سيطرة الإسلاميين شبه التامة على المشاهد، وعلى الشارع. يظهر رجلٌ من «المجاهدين» من سكان منطقة دوما (حيث الجزء الأول من الفيلم/ الرحلة)، فيتحدّث عن أن الحجاب أمر طبيعي. يبدو الجيش الحر «بعلمانيته» المفترضة مختلفةً عنها في الواقع المعيش. ليس هناك إلا إسلاميون (هناك بيان يتلى وتستعمل فيه كل التعابير الإسلامية بخلاف بيانات الأحزاب العلمانية مثلاً). يقرر الحاج صالح مع المصوّرين زياد حمصي وسعيد البطل وآخرين لا نشاهدهم إلا قليلاً، أن يسافروا في رحلةٍ إلى مدينة الرقّة، مسقط رأس صالح التي يسيطر عليها «داعش» حالياً.
الطريق شاقة ومتعبة. الأرض السورية الصحراوية القاحلة كانت تؤثر في الرحلة. لكن كل ذلك لم نشاهد منه الكثير، فكانت الكاميرا خفيفةً بعض الشيء في تلك المرحلة، ربما بسبب خطورة التصوير في كل مكان، أو لصعوبة تقبّل الأشخاص لفكرة الكاميرا المصوّبة عليهم. يصل الزوار إلى الرقة بعد عناء شديد، ونكون قد عرفنا بأنَّ شقيقي ياسين قد اعتقلتهما «الدولة الإسلامية» التي لا يزال الحاج صالح بفكره الشيوعي، «يكفّرها» ويعاديها. هكذا، ينتقدها ويطلق عبارات تسخر منها، مشيراً إلى أنّه يتمنى زوالها. وإذ إن زيارته لمدينته، باتت «سرية»، فلأن هؤلاء القتلة الغرباء يحكمونها. ياسين يسر لاحقاً لصحافية تقابله في تركيا بأنَّه لن يعود إلى سوريا حالياً، رغم إلحاحها على أن تأثيره في الداخل سيكون أكبر منه في الخارج، وبالتحديد في مناطق سيطرة المعارضة المسلّحة. يجيبها بهدوءٍ ميزه خلال الفيلم بأكمله: «إنهم يقتلون أمثالي، فضلاً عن أننا لا نمتلك «العضلات» للدفاع عن أفكارنا ومعتقداتنا حالياً»؛ في إشارة واضحة إلى عدم وجود أي فصيل «علماني» مسلّح يحمل شارة «الثورة». يمكث الحاج صالح أشهراً في الرقة، حتى يتسنّى له الولوج إلى تركيا ومنها إلى إسطنبول. كان ملاحظاً أنه خلال تلك الرحلة، لم نشاهد أي محاولة لتصوير الحواجز أو التحصينات التي تقيمها جهات مسلحة من المعارضة السورية. حتى إننا لم نشهد تصويراً في الرقّة باستثناء مرة واحدة من داخل سيارةٍ مغلقة من دون الإشارة إلى «داعش» التي أشير إليها كثيراً في المقابل من خلال الأحاديث كسارقة للثورة، خصوصاً حين تحدث زياد حمصي في الجزء الأخير من الفيلم.
تقنياً، يبدو الفيلم وثائقياً خالياً من المهارات التي يمتاز بها هذا النوع. تركت الكاميرا على سجيتها والأشخاص أيضاً. قدّم المخرجان تلك المشاهد كما هي تحت منطق «هذه هي سوريا، هذا هو بلدنا الرهيب». في الشريط، تبدو الأبنية المدمّرة شاهداً على ما حدث لكن في الوقت عينه، لمن يعرف قليلاً عن الأفلام تبدو بعض المشاهد «دراميةً» أو مفتعلةً بعض الشيء. هكذا بدا المشهد في بداية الفيلم فوضوياً وغير مفهوم: إطلاق نار في الشارع، في عملية قضاءٍ على قناصٍ، وبعدها بيانٌ رسمي للجيش الحر. بدا الأمر فعلياً كما لو أنّه إعلانٌ شبيه لذلك الذي كانت تقدمه قناة «أل بي سي» اللبنانية لفرقة «الصدم» في القوات اللبنانية إبان حرب الإلغاء. على المقلب الآخر، وحده ياسين الحاج صالح كان الميزان. لم يكن الرجل الذي قضى 16 عاماً في السجن قابلاً للكسر في جميع مشاهده. كان مبتسماً واثقاً بنفسه، وصلباً إلى حدٍّ كبير، حتى في كلماته كان يستعمل أعلى مستوى للغة، يمكن استخدامه في وصف ما يحدث بكل دقّة. حتى في لحظات «ضعفه» و«سكونه»، كان يصر على البقاء كما هو، «صلباً» متماسكاً. لا يمكن أي مشاهدٍ للفيلم، ألا يلاحظ أن الرجل ليس من دعاة الدمار والقتل والتخريب. هو مع أي محاولة للإصلاح والتحسين، وتكفي كلماته في تركيا حين يقول: أنا لربما لن أكتب في الصحف ولن أكتب السياسة، بل إنني سأستعمل حرفتي لأكتب في الفن والثقافة والأدب، هذا أفضل بالتأكيد.