«سان لوران» (2014) للفرنسي برتران بونيللو عن مصمم الأزياء الشهير إيف سان لوران هو الفيلم الذي افتتح به أمس «أسبوع آرتي» الذي تنظمه «جمعية متروبوليس» بدعم من «المعهد الفرنسي في لبنان» للسنة السادسة على التوالي. يخرج بونيللو في هذا الشريط عن قواعد السرد التقليدية للسيرة الذاتية.


يقفز من الحاضر إلى الماضي وعكسه ضمن لغة سينمائية تبحث في هذا التمايز أو التناقض بين الداخل والخارج، وبين الذكورة والأنوثة الذي يقع في صلب رؤية سان لوران الفنية، لكن أيضاً في تكوين شخصه. كروائي محترف، يعيد المخرج تخيل سان لوران (غاسبار أوليال) ويغوص في التفاصيل الحميمة لحياته الجنسية كمثلي وعلاقته مع المرأة التي يراها كأناه الآخر المتخيل. هذا ما نراه في أحد مشاهد البداية حين يلتقي بملهمته بيتي كاترو (الممثلة والعارضة آيملين فالاد) التي عملت معه كعارضة أزياء. يفتتن بها ويتخيل نفسه هي. عبر ذلك، يصوّر المخرج جانباً من الرؤية الفريدة التي ميزت سان لوران في تصوره غير النمطي لمفهوم الأنوثة عبر اعتماده للبذلات أو السراويل التي هي عادة ذكورية في الأزياء التي صممها للمرأة، مؤسساً لجمالية خاصة، تلعب على التناقض بين الذكورة والأنوثة، وعلى هذه الجاذبية الخاصة التي تلد من هذا التناقض (كجندر ثالث).

«جوجا» عن توسع الاستعمار الأوروبي في القرن 19 في الأرجنتين
أيضاً، يلعب على التناقض بين الظاهر والباطن عبر أسلوب يبرز جمالية الصورة لكن جمادها وفراغها من الحياة في الوقت عينه، كمشاهد سان لوران ورفاقه، الثابتين في أماكنهم كتماثيل جميلة من أثر المخدر، أو حتى هدوء سان لوران المقلق الذي يجسّده غاسبار أوليال ببراعة. من خلال تفككه الزمني بين الحاضر والماضي ومن خلال الكاميرا التي هي أيضاً في حالة بحث مستمر كسان لوران الذي يراقب إلى أن يجد الجمالية التي تفتنه سواء كانت في رجل أو امرأة، الفيلم هو في حالة بناء مستمر، في حالة نفي وتأكيد معاً لكل ما يتعلق بسان لوران سواء تكريس صورته كمبدع حقيقي أو الجانب الأكثر تجارية من عمله كما يقول هو نفسه في النهاية بأن هناك عرض أزياء واحداً قدمه كفنان فعلي أقرب إلى الرسام كما كان يرغب دوماً بأن يكون أو حتى تعاطفه المزعوم مع المرأة من عدمه كما نرى حين يطرد موظفة بعد أن تخبره بحملها. هذا بخلاف حس السخرية المبتكر الذي يقود به المخرج كل الفيلم، معبّراً عن هذه التناقضات كما يصوّر لنا علاقته مع كلبه الذي كلما مات، أحضر واحداً طبق الأصل عنه وأطلق عليه الاسم نفسه. ما يعبّر عن هوس سان لوران بالشكل الذي وحده هو الحقيقي الملموس بالنسبة إليه كما يشرح لعشيقه جاك (الممثل لوي غاريل) في رسالة: «أترى جاك؟ أحب الأجساد التي بلا روح، لأن الروح هي في مكان آخر». كذلك، يعرض ضمن الأسبوع عدد من الأفلام التي أسهمت قناة ARTE في إنتاجها كـ «ميلازا» (2012 ــ 14/10) لكارلوس ليشوغا. يتناول الأخير قصة عائلة في مدينة صغيرة في كوبا يعتاش سكانها من العمل في مصانع السكر. لكن بعد قرار إقفالها، يناضل الزوجان مونيكا وألدو ليجدا طريقة لتأمين لقمة العيش من غير أن يضطرا للتنازل عن حبهما. يصوّر المخرج حالة الركود الاقتصادي والنفسي التي تعيشها المدينة وصراع الزوجين للخروج من هذا الثبات القاتل في مشاهد لها لغتها المشغولة بعناية تجسد التناقض بين الجامد والمتحرك كما مونيكا التي ــ بضجيج خطواتها مع حذائها ذي الكعب العالي ـ تروج وتجيء كأنما تحاول تحطيم إيقاع الصمت المهيمن والمساحات الفارغة من الحياة التي يصوّرها لنا المخرج. ينتقد الفيلم بطريقة ساخرة وذكية النظام الاشتراكي الكوبي كما عندما يصدح مكبّر الصوت مشيداً بكل إنجازات النظام العظيمة في تأمين الفرص وتحسين التعليم والاقتصاد. أما «اختطاف ميشال ويلبيك» (2013 ــ13/10) لغيوم نيكلو، فيصور حياة الكاتب الفرنسي ميشال ويلبيك الذي يمثل نفسه في الفيلم. أثارت رواية ويلبيك «منصة» (2001) الكثير من الجدل بسبب سخريته من الإسلام، ما قاده للمثول أمام المحكمة بتهمة الحض على الكراهية العنصرية والدينية. ويلبيك الذي يمثل نفسه في الفيلم يعيش في عالمه المنظم بعناية. تأتي عملية اختطافه لتحطم إيقاع عالمه وتدخل إليه الفوضى ضمن إطار عبثي وساخر تجسده نظرة المخرج. من جهة أخرى، يروي «عصابة البنات» (2014 ـ 15/10) للفرنسية سلين سياما الذي عرض في «مهرجان كان» قصة المراهقة مريم التي تعيش تحت عبء المحظورات التي تفرضها بيئتها. أما «كزانيا» (2014 ــ 16/10) لليوناني بانوس أش كوتراس، فيروي قصة «داني» المثلي الذي يسافر بعد موت أمه الألبانية ليلتقي بأخيه في أثينا ضمن إطار سوريالي ساخر وقاس معاً. من الأرجنتين أيضاً، نشاهد «جوجا» (2014 ــ 17/10) لليساندرو ألونسو الذي يروي توسع حركة الاستعمار الأوروبي في القرن 19 للقضاء على السكان الأصليين في منطقة باتاغونيا. لغة بصرية ساحرة تبحث في مفهوم الانتماء. كما يعرض «الحب هو الجريمة المثالية» (2013 ـ 18/10) لأرنو وجان ماري لاريو عن بروفيسور في الجامعة يعثر على عشيقته التي هي إحدى تلميذاته ميتة في الصباح التالي.

«أسبوع آرتي السادس»: حتى 19 ت1 (أكتوبر) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/204080




ختامها ياباني

يختتم «أسبوع آرتي» بـ ساكنة هي المياه « (2014 ـ 19/10) لنعومي كاواسي الذي كان من بين الأفلام المتنافسة على السعفة الذهبية في «مهرجان كان». عبر سردها الروائي ولغتها البصرية، تبحث المخرجة اليابانية في التماهي بين الداخل والطبيعة عبر قصة حب بين مراهقين يصارع كل منهما ألمه على طريقته.