الرباط | في ما يبدو كأنه امتداد للصراع الاستخباراتي بين البلدين الجارين المغرب والجزائر، انتشر في الأيام القليلة الماضية على شبكة الانترنت عدد من الوثائق السرية التي تتعلّق بمسؤولين مغاربة كبار، وتحديداً جهاز الاستخبارات العسكرية المغربي المعروف بـ «لادجيد». زعم مسرّبو هذه المستندات إقدام المسؤولين المغاربة على دفع رشاوى لصحافيين ومؤسسات إعلامية أجنبية بهدف تلميع صورة السلطة في المغرب، وكتابة مقالات تهاجم الجزائر والترويج لوجهة النظر المغربية في نزاع «الصحراء الغربية».


وأشار هؤلاء إلى أنّ الأمر يتعدى عمليات «اللوبيينغ» التي يلجأ إليها بعض الأنظمة لتحسين صورته في الإعلام الغربي. انتشرت هذه المعلومات عبر حساب ظهر في البداية على فايسبوك تحت مسمى «كريس كولمان». غير أن هذا الحساب باسمه المستعار، حُذف من قبل إدارة الموقع المذكور بعد انهمار الشكاوى من الحساب المذكور وما نشره من معطيات تتضمن تفاصيل عن عمل وأنشطة عدد من الأشخاص الذين ادعت التسريبات أنهم يعملون لمصلحة «لادجيد». بعدها، اضطر صاحب الحساب إلى الهجرة إلى تويتر. لكن الوثائق التي كان قد حمّلها على موقع «مديافير»، اختفت بعد تعرّض حسابه للحذف مجدداً من إدارة الموقع، فأعاد تحميلها من على موقع آخر.
ركزت هذه الوثائق التي لم يتسن لـ «الأخبار» التأكد من مدى دقتها، على علاقة جهاز الاستخبارات العسكرية المغربي بعدد من الصحافيين الأجانب في فرنسا والولايات المتحدة من خلال تقديم عمولات لهم مقابل كتابة مقالات إيجابية ومشيدة بالمغرب. وتظهر هذه الوثائق أنّ غالبية هذه التحويلات البنكية والتعاملات تتم عبر واجهة شركة يملكها إمبراطور إعلامي مغربي يملك عدداً من المؤسسات الإعلامية المقربة من السلطة في المغرب.

وثائق سرية عن
تلقّي صحافيين أجانب
مالاً مقابل مقالات تشيد
بالملك والمملكة
وتصف الشركة معظم التحويلات بأنّها مستحقات مقابل نشر إعلانات تجارية في المؤسسات الأجنبية ذات الصلة. علماً بأنّ جل هذه التحويلات التي شملتها الوثائق، تحمل أسماء صحافيين أو منظمات تقول وثائقها التأسيسية بأنّها غير ربحية مثل «معهد دراسات السياسة الخارجية» الذي يوجد مقره في فيلاديلفيا. وكشفت الوثائق المسربة عن تحويلات بنكية للصحافي الاستقصائي الأميركي المعروف ريشارد مينيتر بمبلغ ستين ألف دولار عام 2012. وتظهر الأبحاث أنّ الصحافي الأميركي قد كتب فعلاً عدداً من المقالات يشيد فيها بالمغرب، من بينها مقال منشور في مجلة «فوربس» يتحدث فيه عن السياسات المغربية الرائدة في مجال مكافحة الإرهاب قبل زيارة الملك المغربي محمد السادس إلى الولايات المتحدة الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة الماضية، وقبلها نشر مقالاً آخر ينتقد الحقوقية الأميركية كيري كينيدي بسبب نقل منظمتها تقارير تزعم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في الصحراء.
ويرد اسم صحافي أميركي آخر هو جوزيف براودي الذي يقدم نفسه ككاتب وباحث متخصص في الشرق الأوسط ويتحدث العربية بطلاقة، والصحافي في قناة «ال س آي» الفرنسية فانسان هيرفوي. تضيف المصادر نفسها بأنّه تمت دعوة هؤلاء لقضاء إجازات مريحة في المغرب. في هذه اللائحة، نجد أيضاً أستاذ الاقتصاد الفرنسي هنري فيدي الذي يدرس في جامعة «باريس دوفان» المشهورة. علماً أنّه خصّص كتاباً كاملاً للإشادة بالمنجزات المغربية على المستوى الاقتصادي تزامناً مع الذكرى العاشرة لوصول العاهل المغربي الحالي إلى العرش أوردت التسريبات نفسها إنه تحت الطلب. كما اتهمت هذه الوثائق المغرب بتمويل الموقع الجزائري المعارض الشهير «ألجيريا تايمز» وإدارته عن طريق صحافيين بأسماء مستعارة.
وحظيت الصفحة التي نشرت هذه الوثائق بمتابعة كبيرة من قبل حسابات موالية لجبهة «البوليساريو»، وهو ما قد يعزز فرضية أن يكون الأمر متعلقاً بحرب استخباراتية ضد المغرب نجحت في تحقيق اختراق مهم لعدد من الوثائق والمراسلات السرية. وما قد يزيد من صحة فرضية ارتباط التسريبات بجهات مقربة من «البوليساريو» والجزائر هو اضطرار صاحب الحساب إلى اتخاذ موقف دفاعي عن جبهة «البوليساريو» والجزائر عند رده على أحد التعليقات، فضلاً عن أنّ بعض الوثائق تظهر كأنها جزء من تقارير استخباراتية أخرى عن هذه العمليات.




الوثائق مزوّرة؟


رداً على الوثائق المسربة على الانترنت، قال أحمد الشرعي (الصورة) الذي يملك عدداً من المؤسسات الإعلامية في المغرب وورد اسمه في الوثائق كوسيط مزعوم بين الاستخبارات الخارجية وصحافيين أجانب إنّ حسابه الإلكتروني قد تعرّض للقرصنة منذ عام 2010، وإنّ «مواقع معروفة بتبعيتها للاستخبارات الجزائرية نشرت عدداً من الرسائل الإلكترونية التي تجمعه بعدد من أصدقائه». وأضاف أنّ هذه الرسائل قد جرى العبث بها وتزويرها، واصفاً العملية بأنّها "عمل إجرامي خسيس" يستهدف الدولة المغربية. وتابع في مقاله المقتضب الذي نشر على موقع «لوبسيرفاتور دو ماروك»: «من يمكنه أن يصدق كل هذه الأكاذيب؟ لو كان لدي أي نشاط غامض، لقمت بتأمين حساباتي الإلكترونية وهذا أبسط شيء، لم أفعل ذلك لأنّني لا أملك شيئاً أخفيه».

للاطلاع على الوثائق انقر هنا