لم يكد المشهد الفني العربي يتجاوز رحيل الممثل يوسف عيد، حتى جاء الخبر الفاجع برحيل خالد صالح إثر عملية قلب مفتوح في أسوان. المفارقة أنّه أجرى العملية نفسها في آخر مسلسلاته «حلاوة الروح» (2014) (تأليف رافي وهبي وإخراج شوقي الماجري). القلب الكبير الذي عُرِف بحبّ الناس والقرب منهم لم يحتمل كل هذا الخراب العربي.


انضمّ «العبقري» إلى زملاء اقتلعتهم العاصفة واحداً تلو الآخر، منهم خالد تاجا ونضال سيجري وعبد الرحمن آل رشي وسعيد صالح. لم يصل «الريّس عمر حرب» إلى هذه المكانة سريعاً. عمل لبعض الوقت في المحاماة والتجارة، إلى جانب عروض مسرحية ضمن فرق مستقلّة للهواة. كان مسرح «الهناجر» في دار الأوبرا المصريّة أحد أمكنته الأثيرة. «لقد تعلّمتُ منك يا مسرحي الصمت، كما تعلّمتُ الصبر. صمتاً جميلاً، وصبراً جميلاً». قالها خالد صالح، وهو الذي صبر كثيراً حتى جاءت الشهرة والنجوميّة في سن متأخّرة نوعاً ما.
الأساس المسرحي علّمه استخدام صوته وجسده كما ينبغي. صعود «القنصل»، بعد تفرّغه للتمثيل عام 2000، جاء مع مجموعة من الممثلين والكتّاب والمخرجين الذين عملوا على كسر الكثير من السائد في السينما المصريّة. لم يكن خالد صالح «الفتى الوسيم» الذي تُكتب له الأفلام. موهبته اللافتة فرضت أدواراً مركّبة لا يمكن أيَّ ممثّل أن يتصدّى لها. سنّه منحته كاريزما الرجل الناضج. كان، بملامحه ووزنه، كأيّ ربّ عائلة مصري يمكن أن تصادفه في الطريق. يشبه كثيراً حال صديقه القديم خالد الصاوي الذي عمل معه في «الحرامي والعبيط» (2013) لمحمد مصطفى. كما في المسرح، كان يستعد لأدواره جيّداً. القلق من الظهور في مستوى غير لائق مرافق دائم له في فترة التحضير. لكن بمجرّد سماع صرخة «أكشن»، كان صالح ينساب مع الشخصيّة بكل بساطة وتلقائية بعد تشرّبها وهضمها. كان لافتاً في قدرته الفطريّة على التماهي مع الأدوار الصعبة. هذا مكّنه من صنع الفارق في الأدوار الصغيرة كذلك. القاضي في «محامي خلع» لمحمد ياسين، ووسيط الفساد «كمال الفولي» في «عمارة يعقوبيان» لمروان حامد أمثلة حاضرة على ذلك. عام تلو الآخر، تدرّج ابن محافظة الجيزة في مجال متنوع من الأدوار الثانيّة، محققاً جوائز عديدة عن أفلام «تيتو» لطارق العريان و«أحلى الأوقات» لهالة خليل و«ملاكي اسكندريّة» لساندرا نشأت. شراكته المثمرة مع أحمد السقا كانت ناجحة دائماً. كان النجم المصري بحاجته دائماً في أفلام مثل «حرب أطاليا» لأحمد صالح و«عن العشق والهوى» (2006) لكاملة أبو ذكرى. بعدها، تفنّن صالح في أداء أدوار البطولة. «حاتم» في «هي فوضى» (2007) ليوسف شاهين وخالد يوسف شكّل حدثاً فارقاً في حياته المهنيّة. انغمس في شخصيّة أمين الشرطة الفاسد الممثل للسلطة القمعيّة إلى درجة الاندماج، وقدّمها بشكل بهيّ لا يتكرّر. عبارة «اللي ما لوش خير في حاتم، ما لوش خير في مصر» لا تُنسى، خصوصاً أنّ الشريط تمكّن من التنبّؤ بالانتفاضة الشعبيّة. مع خالد يوسف أيضاً، توهّج صالح في شخصية «الريّس عمر حرب»، وبشكل أقل في «زكري» الصعيدي في فيلم «كف القمر» (2011). هذا عائد إلى أنّ الفيلم نفسه لم يكن بالسويّة المنتظرة. في «الحرامي والعبيط»، قدّم قراءة مختلفة لشخصية «الهلفوت» التي لعبها كل من عادل إمام ويحيى الفخراني سابقاً. كان خالد صالح مزيجاً من محمود المليجي في بلطجته المحبّبة، وأحمد زكي في مثابرته واستغراقه، ويحيى الفخراني في عفويته المدهشة. كان بسيطاً بقدر تعقيده، لطيفاً بقدر أدواره الشريرة، متمكّناً بقدر حلاوة روحه. هذا التميّز لم يتغيّر في أعماله التلفزيونيّة المتفاوتة مثل «الريّان» (2011) لشيرين عادل و«فرعون» (2013) لمحمد علي.
محبّوه الكثر يترقبون حضوره القريب في «الجزيرة 2» (2014) لشريف عرفة في دور الجهادي «جعفر». دور مختلف ضمن شخصيات كثيرة كانت في انتظاره. عندما عاد إلى «مسرح الهناجر» مع منى الشاذلي، نطق بنبوءة غيابه على الخشبة. «وأموت في نفسي أموت، وأموت في خوفي أموت، وأموت في صمتي أموت (..) وأمام كل دقيقة، قلبي يموت».