إنه الحبّ مفتوحاً على الخيبة والمأساة. ثمة أناس عاشقون أو يُفترض أنهم كذلك، لكنهم مع تفاصيل العشق يعيشون حالة متفرّدة من القهر، بما لا يجعل عشقهم مطمحاً لكل من يتابع تفاصيلهم اليومية البائسة. هذا ما يمكن استخلاصه بسهولة من متابعة الحلقات الأولى لمسلسل «عشق النساء» (قصة منى طايع، وإخراج فيليب أسمر) الذي يعرض من الأحد إلى الأربعاء (بعد نشرة الأخبار) على lbci وتؤدي بطولته ورد الخال (الصورة) وباسل خياط ونادين نسيب نجيم وميس حمدان وجهاد الأندري.


ربما في سياق الإشارة إلى جذور واقعية للقصة، تبدأ الحلقة الأولى بعبارة بيروت ١٩٩٨ ثم تتفرّع الحكاية متشعبة بسرعة نحو مسارب حدثية ثلاثة: غادة (ورد الخال) القابلة المتزوجة من فريد البك المُفلس (جهاد الأندري)، والممرضة أمل (نادين نجيم)، وهي زوجة (وسام حنا) تعشق زوجها الطبيب الذي يتابع اختصاصه، وتبذل جهوداً خارقة للسهر على أسباب راحته. كذلك، هناك جيهان (ميس حمدان) شقيقة فريد، المرتبطة عاطفياً بالمهندس سمير (بيتر سمعان) في حين تحتّم عليها مصلحتها الطبقية الزواج من الشيخ غازي (وليد العلايلي)، «الأرشي مليونير» الذي يسعه وحده أن يؤمّن لها فرصة العيش الباذخ. منذ لحظات المشاهدة الأولى، ما يلفت الانتباه هو تلك الحدّية المعلنة في كشف معالم الشخصيات بوضوح مفرط: غادة تشع تضحية، وتعيش حياتها بنكران فادح للذات. يستوي سلوكها مع عائلتها كما مع مريضاتها على قاعدة نموذجية من المنح العابر لكل الضوابط الذاتية، والمتّسم بمسحة طهرانية متخطّية للمألوف، في حين تواجه زوجاً مفرطاً في القسوة والأنانية. ليست الحال مختلفة مع أمل التي تُحاذي الطفولة في أدائها العاطفي بما يحجب عنها ما يتراكم في سلوكيات زوجها من ترسيخ لعادة الأخذ دون مقابل، وتحوّل الأمر بفعل العادة، إلى ما يشبه الوضع الطبيعي. يمكن لأيّ تقصير أن يبرّر الغضب والنقمة من جانبه، وأن يستدعي التذلّل والإحساس بالذنب من قبلها. وغير بعيد منهما، تقف جيهان التي اعتادت على نيل ما تطمح إليه ولو كان حبّاً في يد، وزواجاً محصناً بالثروة في الأخرى.

لم نرَ البطولة
الجماعية التي بشّر بها صنّاع العمل


الخير كلّه في جانب يقابله الشرّ في الجانب الآخر. ولما كان التوازن عاملاً حاسماً في استقرار العلاقات الآدمية، كان لا بدّ للأزمة من أن تقع. وكان لا بدّ لها من شخصيات انتقالية تتيح إمكانية التفاعل الضروري لكسر حالة الجمود القائمة. ليس منطقياً أن تتسق الحياة العائلية مع أب يسعه أن يكون صالحاً فقط عندما لا يكون سكراناً، كما تعبّر زوجته في حوار مع ابنتها. أما بالنسبة لها (الزوجة) فإن إيجابية زوجها الوحيدة تكمن في صداقته مع المحامي عادل (باسل خياط).
يبدأ دورعادل بوصفه صديقاً لفريد، لكن الواضح أنه يتّجه بإصرار الظروف والأحداث نحو أن يصبح عشيق زوجته. تؤول الطهرانية المفترضة نحو التباس مسلكي صارخ، وفي ذلك بوادر معالم الحبكة التي تشير إلى معضلة أخلاقية يصعب حسمها من دون انحياز مسبق نحو موقف مبدئي من الثوابت الحياتية
المتعارف عليها، والمختلف بشأنها. البديهي أن الحراك الدرامي يستدعي شخصيات انتقالية مثل شخصية عادل، كما يتطلّب عناصر مساعدة إضافية. هنا يأتي دور ناي. والأخيرة قريبة أمل التي تستقبل غادة وأولادها في منزلها بعد مغادرة الأخيرة مسكنها الزوجي إثر تفاقم الخلاف مع فريد. الفرصة تصير مؤاتية للقاء ناي مع عادل وتبلور علاقة عاطفية بينهما. أمام تطوّر بهذا الحجم لا يعود ممكناً الاختباء خلف مزاعم أخلاقية واهية، ويصير لزاماً على غادة أن تتخلى عن تحفظّها المزعوم لتكتشف، وتكشف ربما، أن ما يجمعها بعادل يتخطّى حدود الصداقة المحايدة ليُحاذي حالة العشق الصارخة. هكذا يكتسب «عشق النساء» بُعداً إضافياً. أداء الشخصيات اتسم بقدر لافت من الواقعية والإقناع، حتى الصغار من الممثلين كانوا يتعايشون مع أدواراهم وفق إحترافية واضحة. أما ما يوصف بالبطولة الجماعية التي بشّر بها بعض صنّاع المسلسل، فلا يمكن رصدها حتى اللحظة. تبدو أمل أكثر تألقاً من منافستها غادة، في حين يدور الباقون في مدارات من منسوب أدنى. بالنسبة للكاميرا، فهي تعتمد إيقاعات متفاوتة. يحدث أن يمتدّ مشهد ما على مساحة زمنية واسعة ليكون التالي مبالغاً في لحظويته. ما يخشى على المسلسل منه أن تبقى المشاهد الداخلية هي المهيمنة في حين يقتصر الخارجي منها على بعض الجرعات التذكيرية التي لا تجذب ولا تُغني من ملل.



«عشق النساء» من الأحد إلى الأربعاء بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci