نحن نشترك في الجرح نفسه، وفي الإيمان بالتقدّم والعدالة والحريّة، ولا بد من أن نتناقش. ما أصعب الصمت الذي اعتصم به في القاهرة أصدقاء كثر من الزمن الجميل. يبدو أن الواقعيّة السياسيّة تلزمنا اليوم باحترام «إرادة الشعب» الذي اختار أن يستبدل طاغية بآخر، وخادماً لإسرائيل بآخر. لا تقل لي إن التغيير لا يأتي بسحر ساحر، وإن علينا أن ننتظر. ننتظر ماذا، ومن بربّك؟ هل انتقاد النظام الذي سرق الثورة يجعل منّا أعداء لمصر، أو في معسكر الرجعيّات المتأسلمة في المنطقة؟


نحن متمسكون بدور مصر ومكانتها في الوجدان العربي. لا نتصوّر مواجهة مع إسرائيل، ولا نهضة سياسيّة وفكريّة من دونها. فاعذرنا إذا تجاوزنا «حدود اللياقات القطريّة». الطائرات المصريّة التي قصفت ليبيا لصالح الأميركان، كنّا نتمنّاها محلّقة فوق الأراضي المحتلّة. النظام الذي خنق غزّة في قلب المجزرة لا يمكنه أن يحمل خيراً لشعبه. إلى هذا الحد، بتنا أسرى ثنائيّة الأبيض والأسود، ولم نعد نقبل خطاباً يساوي بين الظلامي والمستبد، ويبحث لشعوبنا عن آفاق أخرى أكثر اتساعاً؟ في الماضي، كان الرأي العام المصري يقف في مواجهة النظام الذي يفرّط في الحقوق القوميّة. اليوم، يواصل النظام خياناته من دون أن نسمع اعتراضاً واحداً. أتحدث عن جيلكم. انسَ الجيل الذي عرّته الثورة، ويعيد المهزلة المستهلكة في مبايعة النظام الجديد لأنّه «يحمي التنوير». تنوير؟ لن يحتمل كتاباً مغايراً صدقني، ولا برنامجاً للرقص. سترى. أي رئيس منتخب ديموقراطياً يسمح لنفسه بأن يحدد لنا الإعلام الجيّد، والإعلام السيئ؟ تعاتبنا لأننا انتقدنا الحملة المكارثيّة على «الإعلام القطري». أنسيت أن قواعد الديموقراطيّة تنطبق بالقدر نفسه على خصومك؟
عزيزي، الصراع الدائر في المنطقة بين همجيّة وتقدّم، بين تواطؤ مع الاستعمار ومقاومة لمشاريعه، صراع معقّد وصعب، بين فيل الرجعيّة والاستبداد والاستعمار وقبّرة التقدّم والتحرر. إمكاناتنا المادية قليلة، لكن إيماننا كبير بقضيتنا. ومكانك محفوظ بيننا، فلا تتأخّر كثيراً.