«تقدموا: لا خوذة الجندي، لا هراوة الشرطي، لا غازكم المسيل للدموع، غزة تبكينا، لأنها فينا، ضراوة الغائب في حنينه الدامي للرجوع، تقدموا، من شارع لشارع، من منزل لمنزل، من جثة لجثة، تقدموا، يصيح كل حجر مغتصب، تصرخ كل ساحة من غضب، يضج كل عصب، الموت لا الركوع، موت ولا ركوع، تقدموا».


أول من أمس، رحل سميح القاسم. لم تطفأ الأضواء في المخيّم، كما لم ترفع الأعلام السود. هكذا يرحل الشعراء بصمت في بلادٍ تحترف قتل الشعراء كما كان يقول صديقه القريب محمود درويش في إحدى قصائده. القاسم الذي عرفه الفلسطينيون العائدون في لبنان من خلال قصيدته الأقرب إلى قلوبهم «منتصب القامة أمشي» غازلهم كثيراً ولم يزرهم بسبب المنع الاسرائيلي، ومحاولته الوحيدة باءت بالفشل عام 2001. يعتبر القاسم من جيل الرواد للشارع الفلسطيني، سواء أكان ذلك شعرياً، ثقافياً، أو حتى أدبياً، وإن لم يحظَ بالشهرة نفسها التي حظي بها محمود درويش في لبنان. لكن ما يفاجئ كثيراً أنّ قصائد الشاعر الذي لم يغادر أرض فلسطين كثيراً يحفظها كثيرٌ من الأطفال، وتتردد في حناجر أطفال المخيم. قصيدة «تقدموا» مثلاً التي سُجن على إثرها ووضع بعدها في الإقامة الجبرية، تعتبر من أشهر ما يعرفه الفلسطينيون عنه ههنا. القصيدة الصاخبة الممتلئة ثوريةً، تستعمل كل عامٍ في الاحتفالات المركزية التي تقيمها معظم الفصائل الفلسطينية (حتى الإسلامية منها) داخل المخيمات في لبنان. القصيدة مباشرةٌ من دون أفعال مواربة (كالتي يستعملها درويش مثلاً). لذلك لم يكن غريباً أن يقرأها أغلب الأطفال الفلسطينيين على منصة كلما أرادوا المشاركة في إعلان موقفٍ مقاوم. في الإطار عينه، رسمت الكلمة مراراً على حوائط المخيم كشاهدٍ، رغم أن كثيرين لا يعرفون بأن صاحب القصيدة/ الكلمة هو شاعرٌ لم يأتِ يوماً إلى لبنان. لم تعرفه أزقة المخيمات إلا شاعراً، ولم يلحظه أيُ مارٍ. لكن مع هذا، فإن سألت أهل المخيمات عنه، وجدتهم يتحدثون عنه بصيغة العارف، حتى إنّ بعضهم يعتقد بإصرار أنه زار المخيّم، وقابل ياسر عرفات هنا في أحد المنازل.
القاسم الذي كتب مرثية لتل الزعتر نشرت آنذاك في إحدى الجرائد الفلسطينية، كانت شديدة الأثر على المخيمات (رفض لاحقاً إعادة نشرها والحديث عنها حتى خلال المقابلة على قناة «الجزيرة» القطرية التي تناولت حياته، ربما لأن تلك القصيدة حوت موقفاً سياسياً هاجم فيه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي عاد وقابله ورثاه عند وفاته). تناقلها الكبار ككنز دفين، وكانت قصيدته قد نشرت قبل ان يكتب محمود درويش «أحمد الزعتر». يحكى يومها أنّ القصيدة نسخت يدوياً ووزعت على سكان المخيمات الأخرى، لأن الطباعة والنسخ الطباعي كانا مرتفعي الثمن. لذا، كان أسرع الطرق وأزهدها هو النسخ. نُسخت أكثر من 1000 نسخة يدوية كتبت بخط اليد من متطوعين فلسطينيين وكان الهدف إسماعها للناجين من المذبحة، كما للعالم بأنه ما زال هناك صوتٌ حي خلف كل تلك الدماء. قد لا ترفع أعلامٌ سوداء في المخيمات الفلسطينية لرثاء سميح القاسم ربما لأن الشعراء لا يرحلون، يبقون دائماً حيثما يريدون هم. ستظل كلماتهم تتردد في حناجر الأطفال كل عامٍ وفي كل مناسبة، وستظل كثيرٌ من الحوائط دليلاً وشاهداً على أنّ: منتصب القامة يمشي، مرفوع الهامة: ينتصر!




سيرته في سطور

«هناك سنلتقي في الجنة أو في الجحيم، الأكيد أننا سنلتقي». ودّع سميح القاسم الشاعر الراحل أنسي الحاج بهذه الكلمات. ولعلّه وحده كان يعرف أن اللقاء قد يكون قريباً إلى هذا الحد. تلقّى الشعر العربي ضربات كثيرة في السنوات القليلة الماضية، وها هو الحداد يلف القصيدة مجدداً مع انطفاء سميح القاسم بعد صراع مع مرض سرطان الكبد. من قرية الرامة الفلسطينية، بدأت رحلة القاسم عام 1939. أمضى مرحلة الدراسة الابتدائية في «مدرسة اللاتين» في الرامة بين 1945 و1953، قبل أن ينتقل إلى «كلية تيرا سانطا في الناصرة»، إلى أن نال شهادة الثانوية سنة 1957. بعدها سافر إلى الاتحاد السوفياتي، وهناك درس سنة واحدة الفلسفة والاقتصاد واللغة الروسية. أما المحطّة التالية، فكانت نشاطه السياسي في «الحزب الشيوعي»، قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي كلياً، الذي سيصبح غزيراً في ما بعد، وسيجعل اسمه من بين أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين إلى جانب محمود درويش وتوفيق زيّاد. إلى جانب العمل السياسي والأدبي المتنوّع، انخرط القاسم في العمل الصحافي أيضاً، فكان من مؤسسي صحيفة «كل العرب»، قبل أن يسهم في تحرير «الغد» و«الاتحاد»، و«هذا العالم» و«الجديد». كذلك أسّس منشورات «عربسك» في حيفا مع الكاتب عصام خوري سنة 1973، وأدار «المؤسسة الشعبية للفنون» (حيفا)، وترأس «الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين».