الناصرة ــ رنا عوايسة


في ثرى الجليل الذي رفض أن يغادره، يرتاح سميح القاسم اليوم في بلدة الرامة. يرحل جسده ويبقى صدى صوته منادياً طائر الرعد «بعد انتحار القحط في صوتي.. شيءٌ روائعه بلا حدّ.. شيءٌ يسمّى في الأغاني طائر الرعد.. لا بد أن يأتي فلقد بلغناها.. بلغنا قمة الموت». سميح القاسم الذي يُجمِع كل من عرفه على تواضعه وإنسانيته وابتعاده عن «البرج العاجي» الذي يعزل فيه بعض المبدعين أنفسهم عن الناس خاطب موته قائلاً «أنا لا أحبك يا موت ولكني لا أخافك».
يعتبر سميح القاسم من الرعيل الأول لشعراء المقاومة كما سمّاهم آنذاك الأديب الشهيد غسان كنفاني. نشر مجموعته الشعرية الأولى «مواكب الشمس» عام 1958. وكان قد سبقه في إصدار ديوان للشعر المقاوم راشد حسين، وتلاه محمود درويش وتوفيق زياد، ليُشكلوا معاً ما اصطلح على تسميته «أدب المقاومة». يقول الشاعر سامي مهنا، رئيس «اتحاد الكتاب الفلسطينيين العرب» في الداخل المحتل إنّ «ظاهرة أدب المقاومة أدهشت العالم العربي في أعقاب النكسة. أفاق هذا العالم على وقع الهزيمة وسمع أصواتاً مجلجلة تقف أمام «الأسطورة الإسرائيلية» من داخل الأرض المحتلة».

ويضيف الكاتب والناقد أنطون شلحت إنّ «أهم ما في سميح القاسم أنّه كان أحد الأركان المتينة لظاهرة شعر المقاومة الذي أنتج في ظروف تعتبر الأدنى من حيث شروط الإبداع الأدبي بعد أعوام قليلة من نكبة 1948 وما ترتب عليها من مدلولات سياسية واجتماعية وثقافية بالنسبة إلى الشعب العربي الفلسطيني، وخصوصاً ذلك الجزء الذي بقي منه داخل الكيان الذي أقيم على أنقاض وطن هذا الشعب. وكان الاحتفاء بهذه الظاهرة بعدما اكتشفها العالم العربي عقب حرب حزيران 1967، احتفاءً ليس بعنصر المقاومة في هذا الشعر، بل أيضاً بالإبداع الصافي وبهاجس الحياة وبقدرتها على مخاطبة قارئ لا يساوم، ولا يرتطم بجدران ظرف عابر أو تقليد فجٍ».


أنشأ «الشبان
الأحرار» المناهضة للتجنيد الإجباري للشبان العرب الدروز


سُجن سميح القاسم مراراً في السجون الإسرائيلية على خلفية كتاباته الأدبية والشعرية ورفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية القسرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، المفروضة على الطائفة العربية الدرزية التي ينتمي إليها. أنشأ المجموعة التي أطلق عليها «الشبان الأحرار» تيمّناً بثورة الضباط الأحرار في مصر، وقد عملت على مناهضة التجنيد الإجباري للشبان العرب الدروز. ويُجمع عديدون على أن لسميح القاسم فضلاً كبيراً في ترسيخ الهوية الفلسطينية لدى الفلسطينيين في الداخل المحتل. إذ يلاحظ منذ بدايات شعره في الستينيات حين ساد الحكم العسكري الذي حاول طمس الهوية الفلسطينية ومحوها أنّ «سميح أعلن عن الهوية الفلسطينية وأسهم في ترسيخها. دور الثقافة هنا الذي ساهم فيه القاسم بشكل كبير، سبق دور السياسة والأحزاب السياسية»، كما يقول أنطون شلحت.
«لقد كانت المعركة الثقافية والأدبية جبهة وخندقاً أسهما في الثورة الفلسطينية. لقد كان شعر سميح القاسم ومحمود درويش وشعراء المقاومة الآخرون ممنوعاً خلال فترة الحكم العسكري، إذ نصبت الحواجز على مداخل البلدات العربية، وقام الناس في بعض الأحيان بتهريبهم من خلال الجرافات الزراعية إلى داخل تلك البلدات كي يتمكنوا من إلقاء الشعر لجمهورهم»، يضيف الشاعر سامي مهنا.
يعتبر أنطون شلحت أنّ ما يُميّز شعر سميح القاسم أن «جملته الشعرية عكست أكثر من أي شيء آخر غضباً ثورياً خضع لتحولات لم تَنه عن الأصل، وتحولت الى ما يشبه النبوءة الثورية. كذلك، فهي جملة تتميز بمتانة اللغة وبالنهل من التراث الشعري العربي القديم ومتمكنة من العروض الشعرية التي كان يعتبرها أهم معايير كتابة الشعر ولا تشكل قيداً عليه». ويرى الشاعر سامي مهنا أنّ «ما يميز شعره هو ارتكازه على الثقافة العربية الإسلامية، والمبنى الأوركسترالي في قصيدته. كما أنه من شعراء الحداثة القلائل الذين لم يقطعوا العلاقة مع القصيدة العمودية واستمر في كتابتها حتى آخر أيامه. لقد استطاع أن يصالح بين الحداثة والأسلوب القديم في الشعر العربي».
إضافة إلى المساهمات الأدبية والشعرية التي بلغت أكثر من 70 عملاً، فقد كانت لسميح القاسم إسهامات في المجال الصحافي والثقافي. ترأس تحرير مجلة «الجديد» التي أسهمت في إعلاء شأن القضية الفلسطينية، وخصوصاً قضية الفلسطينيين في الداخل. كما عمل في صحيفة «الاتحاد» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي وفي صحيفة «كل العرب». الصحافي سليم سلامة الذي عمل مع القاسم في صحيفتي «الاتحاد» و«كل العرب» يعتقد أنّ «سميح القاسم هو آخر عنقود الجيل القيادي الذي أسهم في ترسيخ الوعي الوطني والاجتماعي، ومحاربة التعصب الاجتماعي والطائفي، لقد ترك فراغاً سنشعر به لاحقاً».
في حضرة الغياب وفي شهر آب، سيشيع آلاف الفلسطينيين شاعر المقاومة الأخير، ملتحقاً برفيق دربه محمود درويش وصدى صوته يقول «أسَمّيكَ نرجسةً حول قلبي، لو كان قلبي معكْ، وأودعتُهُ خَشَبَ السنديان، لكنتُ قطعتُ الطريقَ بموتٍ أقلّ».