القاهرة | بدا التعاطي مع خبر موت سميح القاسم لافتاً في مصر. تحول إلى مناسبة للرثاء والاعتذار، ولا أحد يعلم إن كان هذا الرثاء موجهاً للشخص أو للقيمة التي كان يمثلها. تداخل الشخصي والعام في تناول الخبر، وبعضهم ربط تراجع الاهتمام بشعر القاسم وسيرته بضعف الاهتمام الرسمي بالقضية الفلسطينية التي اختزل شعره في الدفاع عنها.


ومال آخرون إلى المقارنة بين النجومية التي رافقت محمود درويش حتى مماته، والحالة الباهتة التي عاشها القاسم في سنواته الأخيرة. قلة قليلة لاحظت أنّ القاسم لم ينتج شعراً في العقدين الأخيرين، وعاش مستنداً إلى ماض لم يخضع للفحص النقدي. الجيل الذي عرف سميح من أغنيات المقاومة التي غناها مارسيل خليفة وجوليا بطرس وفرقة «صابرين» في مرحلة تالية تغير، بينما لم يتغير شاعره. وحتى الأصوات الغنائية التي حملت شعره تطورت إلى آفاق متعددة، وباتت أميل إلى المغامرة والتجريب. لذلك خلقت لنفسها حياة جديدة مكنتها من العيش بسلام مع التجارب الغنائية الجديدة التي أفرزها واقع ما بعد الربيع العربي. ثمن لم يتمكن الشاعر من دفعه ومواكبة التحولات التي عاشتها قصيدة درويش الذي تخلّص مبكراً من الصخب، ولم يقبل العيش على فاتورة ماضيه أو الاستجابة لابتزاز الجمهور.
امتلك درويش ما لم يمتلكه سميح. كان على وعي بالنجومية ورسم صورة لعلاقته مع الجمهور وظلت قصيدته «أنيقة» على عكس قصيدة القاسم التي ظلت ملتصقة بالحجارة.


حصل على
«جائزة نجيب محفوظ» عام 2006

وبالعودة إلى الماضي، سنجد أنّ سميح القاسم ـــ دون بقية شعراء المقاومة ـــ هو الشاعر الذي لم تمنحه مصر ما يستحق في بداياته، مقارنة بما أعطته لمعين بسيسو ودرويش اللذين نالا منها أوطاناً بديلةً وقوة دفع رسمية وصكوك اعتراف لم تصل إلى القاسم إلا في وقت متأخر رافق خفوت قصيدته وتراجع الشعارات الداعمة لها. وحين حصل على تكريم اتحاد الكتاب و«جائزة نجيب محفوظ» (2006)، كانت الأشياء باهتة والأصوات مختلطة، ولم يحتفَ بها إلا من قبل الصحف القومية التي كان الشعار السياسي بيانها الوحيد للبقاء على قيد الحياة. في تلك الليلة، لم ينتبه أحد إلى مهارة سميح في التسامح مع الجميع إلا عدوه. لم يورط نفسه في مقارنة مع الشطر الثاني من البرتقالة كما كان يصف رفيقه محمود درويش، بينما كان صوت ضحكته أعلى كثيراً من نبرة الإيقاع في شعره. تلك النبرة التي قيدته ولم تعطه الأجنحة اللازمة للطيران في أفق جديد. لذلك كان من النادر أن تجد على صفحة شاعر شاب إشارة تخص سميح القاسم أو تسائل شعره. فهو لدى الغالبية نص ينتمي إلى الماضي ولا يعطل عربات المستقبل. نص أليف لأنّ صاحبه لم يكن مؤذياً ولم يتورط شأن أحمد عبد المعطي حجازي في حروب مع أحد، لأنه أراد أن يبقى سميحاً ومتسامحاً.