نكاد نحسب أنّ «لا أحد يعرف زُمرة دمه» (دار الآداب)، رواية سيرة. إنّها حياة صاحبتها مايا أبو الحيات ذهبت لتحكيها أو تسرد الكثير منها. يأتي هذا الانطباع الأولي بسبب تقاطعنا مع نقاط أساسية تجمع بين حياة الروائية وما تسرده. هي فلسطينية من مواليد بيروت (1980)، ما يتطابق مع حياة شخصية الرواية الرئيسية جمانة المولودة مع شقيقتها يارا في بيروت من أم لبنانية وأب فلسطيني كان قائداً مع الفدائيين. إلى هذا، هناك تفاصيل أخرى تذهب في طريق دعم فكرة السيرة. لكنّها رواية في نهاية الأمر وهو التصنيف المكتوب على غلافها. قد يبدو هذا التنويه مناسباً لطرح موضوع «زُمرة الدم» كاقتراح للتخلي عن الحياة الأصلية لكائن ما. حياة لفرط ما فيها من ألم، يود صاحبها لو أنه خضع لاختبار لفحص دمه علّ النتيجة تظهر سلبية و«هذا يعني أنّني لستُ فلسطينية أصلاً.


أمر قد يلغي حياتي الماضية كلّها» تقول جمانة التي تريد التأكد من أصلها المنتمي إلى هذه العائلة (وجود أمي وعدمه لم يعد يعنيني في تلك المرحلة)، فهي تريد أباً يشبه زوجها سهيل الذي يحرص على ملاعبة ابنتها، هي التي حُرمت من ذلك بسبب والد قاسٍ وشكّاك: «كنت أعتقد أنّ كلّ الآباء مثل أبي، لكن حين بدأت مراقبة سهيل وهو يعانق شيرين ولا يترك المنزل ليبقى معها، شعرتُ بالغيرة، وأصبحت أتمنى لو كان لي أب مثله». كما أنّ والدتها كانت قد طلبت الطلاق كي تبحث لها عن حياة أخرى بمعنى أنّ كل طرف رغب لو يستبدل حياته بأخرى. كأننا هنا أمام لعبة تدوير كراسي الحياة، ولا أحد يتمنى البقاء في مكانه الأول باستثناء يارا، الابنة البكر التي لا تود تكرار حياتها المأسوية مرة أخرى.


لم تتوقف
الصراعات بين قادة المخيمات وبين أهل بيروت وزعمائها


تأتي رواية «لا أحد يعرف زُمرة دمه» محمولة على ظهر أربع شخصيات رئيسية: آمال الأم اللبنانية، وزوجها أبو السعيد المقاتل في صفوف الفدائيين الفلسطينيّين في بيروت الذي استخدم نفوذه للضغط على أسرتها بقوة السلاح للزواج منها وهو ما كان. وفقاً لهذا، من الطبيعي أن تسير حياة هذا الزواج إلى نهاية محتومة. يتمنى أن يُرزق بولد في حياته ليسميّه سعيد. أمنية لن تكون من نصيبه. ستأتي زوجته بيارا وبعدها جمانة التي سيتعامل معها باعتقاد أنها ليست ابنته ومن ثمّ يقع الطلاق.
لكن في سياق السرد، لا تتضح الدوافع التي ذهبت به إلى الاعتقاد بأنّ زوجته خانته. لا يكفي وجود خلل في سلوك الزوجة أو اختلاف في تفاصيل جسدي يارا وجمانة كي تصبح الخيانة أمراً أكيداً. في منتصف الحكي، يبدو موت الأب واقعاً لتتمكن الأختان من تناوب السرد في ما بينهما بطريقة تتأرجح بين العودة إلى الزمن الفائت وإعادة انتاجه بطريقة لا تخلو من استعادة معنى الألم الذي كان كأمر مرتبط بحياة محكومة بالتنقل بدءاً من بيروت حيث لم تتوقف الصراعات بين قادة المخيمات وبين أهل بيروت وزعمائها.
تقول شخصية من السكّان الأصليين (زوجة الفدائي) رداً على انتقاد موجه لها «إيّ حلّي أنت والفدائيية تبعونك، خربتولنا البلد من يوم محطيتو رجليكم فيها»، لتردّ عليها الناقدة «إحنا اللي عمّرنا بيروت حبيبتي. مصاري المنظّمة اللي عم تترش هون هون هي اللي ممشية البلد». يحدث انتقال جمانة ويارا إلى عمّان ثمّ إلى تونس حيث تشهدان الإهانات التي كان الوالد الفدائي يتلقاها من قادة «منظمة التحرير الفلسطينية» هناك، وانتهاءً بالوطن الأصلي فلسطين، في حين يتواصل السرد ماضياً باتجاه رواية جمانة التي توّد معرفة زُمرة دمها وتقرير مصيرها على أساسه.
لكن يبدو أنّ رحلة الشقاء الفلسطيني لن تنتهي بمجرد الاستقرار في الوطن المُحتَل. تبقى رحلة الذهاب إلى القدس لإجراء التحليل ومعرفة زُمرة الدم وتقرير المصير المُنتظر. تجد الفتاة نفسها وسط بيئة عنصرية وعدوانية تحرص على التعامل معها كمشتبه به ينبغي ضبطه متلبساً وهو يحاول تحديد هويته «كان يبدو استجواباً ليس له علاقة بالأمور الطبيّة، فلا أحد يسجل شيئاً». رحلة قاسية من العذاب والامتهان تدفعها لأن تتوقف عند حاجز سؤال يداهمها: لقد مات الأب الشكاك في زمرة دم ابنته، والأم الأصلية تقيم وحدها في بيروت في حين تقيم الأخت معها ولا مجال للتشكيك في صلة القرابة بينهما من جهة الأم على الأقل، فلماذا الاصرار على المعرفة؟
تنسحب جمانة بهدوء لتعود للاحتماء بهويتها المتبقية غير القابلة للنقض أو المراجعة، شقيقتها. كأنها وصلت إلى نقطة مفصلية ستعمل على تحديد حياتها القادمة: الأرض ستعود فيما يكمن الخطر في حال فقدان الهوية والسكوت أمام محاولات تذويبها داخل ذلك المحيط العدواني والعنصري الساعي إلى نزع السكّان الاصليين من مكانهم.