سنلاحظ طوال الوقت، ظهور أشخاص بتعابير مختلفة على وجوههم، يصوّبون هواتفهم ــ الذكيّة بطبيعة الحال ــ إلى وجوه أشخاص آخرين، ويلتقطون صوراً لهم. في كليب أغنية أحمد قعبور الجديدة «تنين تنين»، تسقط المدينة سهواً من حسابات المُعدّين، ومن الكادرات الصغيرة للهواتف اللجوجة، إذ أن الجميع لن يجد معالمَ كافية كي يقنع المشاهدين بضرورة التصوير.


هكذا، بخفة، آيفون هنا، وسامسونغ هناك، وعابرون يبحثون عن تاريخ لا يجدونه، فيصوّرون «المستقبل» الديجيتال. يستعيضون عن المدينة بمرحٍ خفيف. «تنين تنين» تقول الأغنية، وكل شيء مقسوم على اثنين، نكاد نصدّق هذه الدعوة إلى مديح الجمع والجماعة، بينما يُشبَع المشاهد مللاً بطفرة الأفراد المبتهجين، لا بفردانيته إنما كلٍ بهاتفه الذكي، غارقاً في شاشة رقميّة أنيقة وبراقة كابتسامات رجال الأعمال. وهؤلاء كثرُ في الأغنية، يقولون بونجور ويحظون بلقطات مضيئة متجولين في مسرح رقمي للمدينة.
لن نسأل قعبور عن اكسسوارات المدينة باستعارة خطاب شعبوي تجاوزته الأحداث. لقد غادر باعة الكتب الأرصفة، وبائع العصير ملاحق من شرطة بيروت على رصيف المنارة. أما أسواق الصاغة وأيّاس وغيرها، التي تستريح في الباحة الخلفيّة للفيديو كليب، فماتت. لن ينفع الحديث عن الموتى بالرثاء دائماً. ينبغي للجميع التصديق أن الموتى ماتوا، وأن قعبور محق في التخلي عن بهارات الحنين، التي دأب على رشها فوق أغنياته، بدءاً بالطربوش الأحمر، والشارب الهتلري الشهير على وجه بطل كليباته الوحيد أخيراً، وصولاً إلى ثياب الفرقة كلها التي تجعل أفرادها منفصلين عن الواقع، في «السوكس»، حيث نمت سلسلة عريضة من المحال التجاريّة الضخمة. هناك، حيث تباع حقيبة اليد بآلاف الدولارات، ويتسول المارة النظرات إلى الواجهات. علينا أن نقلع عن هذا النقد، والاكتفاء بالنظر والتصفيق وعدم النق، كما يوصينا قعبور. وطلبه محق، وإن كان يطلب ذلك فعلاً، فعلى الأبطال أن يحفوا شواربهم، ومطاردة الموضة حتى آخر نفس، كما يفعل الأبطال الجدد، وهم نديم ومنير وزافين. والشبيبة هم صلب الحالة المستقبليّة الواعدة، التي تواجه أخطار «النق»، كما تقول الأغنية دائماً.


أشخاص يصوّبون هواتفهم إلى وجوه آخرين في كليب أغنية أحمد قعبور الجديدة

والحال أن المشكلة مع الأغنية ليست في معناها السياسوي. من نافل القول إن لها أبعاداً سوسيولوجيّة. لقد فات الأوان، فات الوقت على مثل هذا النقد اليساري الموغل في كلاسيكيّة مضجرة، وإن كان فحوى «تنين تنين» لا يعدو أكثر من كونه استكمالاً لخطاب حريري تقليدي فعلاً، وأن «البلد ماشي» في أي حال. نتحدث عن بيروت جديدة وكيتشات رأسماليّة ترفض الاعتراف باستحالة المزج بين ما هو حقيقي وما هو زائف. للمناسبة، أعداء الحريريّة، عندما يتعلق الأمر بالثقافة، لا يقلّون اجتراراً. يمكن كتابة مجلدات عن الرؤى الزينوفوبية للبلاد على الشاشات الزميلة للمستقبل، كالـ «أو. تي. في»، والـ «أم. تي. في»، وطبعاً، رتابة الخطاب المباشر الديني والتعبوي على «المنار» وخطورته. كل هذا ليس سياسياً كما يبدو، والمشكلة في الأغنية، مع اللقطات التي أُخذت بخفة تتضاعف تدريجاً من اللقطة الأولى التي يظهر فيها المغنون وهم يعبرون الطريق كما لو أنهم البيتلز، مع فارقٍ بسيط، أن بيروت ليست ليفربول، وأن اللقطات (ربما) أخذت بهواتف ذكيّة أيضاً، خصوصاً تلك اللقطة الفذة التي نزل فيها الضوء على بيروت. لا الضوء ضوء، ولا تلك بيروت. تتحدث الأغنية أيضاً عن «أباجور»، وهذا يعرفه البيروتيّون كثيراً، لكن ايجاده مستحيل في أسواق بيروت ما بعد حداثة «سوليدير» التي تحاكي عوالم بلا أرواح. علينا البحث عن «أباجور» إذن، كما تقول الأغنية. ما نعرفه أنّ الـ «أباجور» هو نافذة خشبيّة طولها أكثر من عرضها بكثير، ويقتضي الأمر أن يقصّ أحدُ ما دفتيها في الصباح إيذاناً ببدء الشمس، ويغلقها آخر الليل لتنام المدينة. وتلك من وظائف البشر في الأخيرة: الحياة. ليست وظيفتهم القيام بجولة استعراضية على درج كهربائي. وإن كان العرض في الأغنية قائم على مشاركة نجوم لامعين كنديم قطيش وزافين قيومجيان ومنير الحافي. أين «الأباجور» الذي تتحدث عنه الأغنية؟ هذا هو السؤال الديكارتي العظيم الذي فات قعبور وزملاؤه الإجابة عنه، منذ مطلع التسعينيات حتى اليوم. يطالبنا قعبور بالتوقف عن النق، وهو محق في ذلك بلا شك. تورط الجميع في افراغ بيروت من الروح، وهذا ليس في أوانه الآن، بينما تسير البلاد إلى حروب جديدة. غير أن هذه الأغنية تحسب في سياق النق هي الأخرى. وهذه مفارقة مألوفة هنا، إذ أن الآمال في التسعينيات ــ وإن كانت آمالاً بالمعنى الهزيل لليبراليّة ــ كانت قابلة للصرف. الخروج من الحرب يشرّع الأحلام وإن كان ما حدث هو ردم لكل أحلام السبعينيات والمدينة الآخذة في الصعود، بدلاً من ترميمها. ولا فائدة من التذكير بأن الحريريّة ليست وحدها المسؤولة عن أفول أي رجاء. المشكلة ليست سياسية، بل مع الفيديو كليب بحد ذاته. أما الموسيقى الشعبيّة التي ترافق الأغنية فهي مقبولة، وإن كنا ما زلنا نسمع تلك الإيقاعات وتلك الرنّة منذ مطلع الألفيّة الجديدة، من دون أي تجديد أو إضافة ملموسة.
«تنين تنين»، عنوان الأغنية صائب رغم كل شيء. خطابان اثنان دمرا بيروت. الأول الذي يتهم جزءاً من سكانها بترييفها مبالغاً في غض النظر عن شوائب بنيويّة في «إعادة الإعمار»، والأرجح أن قعبور ينتمي إلى هذا الفريق الذي تخلى عن مقارباته التي كانت على حافة التروتسكيّة من أجل مستقبلٍ أفضل، فوجئنا أنه مستقبل باطوني أكبر انجازاته تبليط البحر. والخطاب الثاني الذي شارك في السكوت عن وحشيّة «سوليدير» ويستخدم الواقعة كمنصة لإطلاق النار على الحريريّة ملصقاً كارثة «أسواق بيروت» بالحريريّة وحدها، محاولاً التنصل من مسايرتها والتعاون معها على تحوير هويّة بيروت وتمييعها لغايات سياسيّة. لكن، بالعودة إلى الأغنيّة، أين سنجد «الأباجور» الآن. لا وقت للبحث عن «الأباجور» في الوسط التجاري. يمكننا أن نسمع الأغنية كشريط نعيده منذ نهاية الحرب، لكن من لديه الوقت الكافي للبحث عن «أباجور»، أو عن «رصيف البحر»، الذي «كان» لكل الناس!






على سيرة «الناس»

أخيراً، حقق أحمد قعبور أحد أكبر أحلامه، وهو الغناء لعمر الزعنّي، بعدما أصدر أسطوانة حملت عنوان «أحمد قعبور يغني عمر الزعنّي». وفيما عُرف عن الأخير أنه كان شعبياً، حتى رسخ في الذاكرة الجماعيّة على هذا النحو، فإن قعبور بدأ كذلك قبل أن يغيّر رأيه، ملتزماً بنمط موسيقي «شعبوي»، جامحاً إلى خيارات سياسيّة لا يعتبرها اللبنانيون شعبيّة، على ذات القدر الذي كان يعتبر فيه الزعنّي مغنيّاً للناس. على سيرة «الناس»، صدرت أسطوانة قعبور عن «نادي لكل الناس»، والكثير من أغاني قعبور القديمة ضمّت مفردة «ناس»، كأغنيّة «بدي غنّي للناس» و«رصيف البحر لكل الناس».