غزة | عوّل كثيرون على الوقت لإخماد النيران في فلسطين. لكنّ رياح الثورة جاءت على عكس ما يشتهونه. بعدما انهمر الغضب الفلسطيني على الاحتلال الإسرائيلي في القدس، انتقل المدّ الثوري إلى أراضي الـ 48. رفع الاحتلال سقف رده على غزة فجر أمس باستهدافه مجموعة من المقاومين لتنتهي الحصيلة بـ 11 شهيداً. هذه الأفعال الإسرائيلية التي تتضاعف حدّتها مع الوقت، انبرت بعض وسائل الإعلام العربية الى التخفيف من وطأتها عبر انغماسها في تلميع صورة الاحتلال والانجرار إلى مسلسل أكاذيبه (الأخبار 7/7/2014).


وقبل يومين، عجّت وسائل الإعلام العربية والغربية بصورة الطفل طارق أبو خضير، ابن عم الشهيد محمد أبو خضير، كونه يحمل الجنسية الأميركية. كثّفت هذه الوسائل تغطيتها لما جرى مع طارق بعدما ضربته شرطة الحدود الإسرائيلية على وجهه وأحدثت رضوضاً وتورماً في شفتيه، وعاقبته بالحبس المنزلي لمدة 15 يوماً.
cnn وbbc العربية والإنكليزية تصدّرتا هذه المهمة، وسلّطتا الضوء على طارق مقابل تخصيص مساحة ضئيلة للشهيد محمد، كما اعتمدتا على المغالاة في إبراز الحس الإنساني المزيّف عند رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، عبر توعّده بمعاقبة المجرمين. بذلت المحطتان قصارى جهدهما لتعمية الحقائق وطمسها، بقصرها صراع نتنياهو مع الفلسطينيين على «الجماعات المتطرفة» دون غيرهم. «لا مكان لهؤلاء القتلة في المجتمع الإسرائيلي. هذا يوضح الفرق بيننا وبين جيراننا، حيث يتم تمجيد القتلة باعتبارهم أبطالاً». كلمات نتنياهو هذه احتلت صدارة نشرات المحطتين. والدليل على الحسّ المرهف لنتنياهو عند القناتين كان اتصاله بوالد الشهيد وتقديم واجب العزاء له. لكن والد محمد أبو خضير سرعان ما نفى هذه الأخبار، رافضاً التعاطي مع الاحتلال وإعلامه. كما أرادت bbc تمرير خداعها وتضليلها للجمهور العربي عبر نشر صورتين متوازيتين لأم شهيد غزّي مصابة بنوبة بكاء، وأخرى إسرائيلية مصدومة بعد إصابة صاروخ للمقاومة منزلها.


تهميش جريمة قتل محمد أبو خضير، وحصرها بثلة متطرفين

وحول هذه التغطية المنحازة للعدوّ الإسرائيلي، تساءل الصحافيان البريطانيان دافيد كرمويل ودافيد إدواردز في مقالٍ نشراه أول من أمس (موقع stopwar.org.uk) عن أسباب تركيز الصحافة البريطانية على عملية مقتل الجنود الثلاثة الإسرائيليين، عكس تعاملها مع الأطفال الفلسطينيين، حتى أضحت روح إسرائيلية أغلى من 1000 روح فلسطينية. وأورد الصحافيان جملة من الدلالات على تلك الحقيقة. مثلاً، واكبت صحيفة الـ«غارديان» جنازة القتلى الإسرائيليين الثلاثة على مدار 9 ساعات، فيما خصصت صفحاتها للحديث باستفاضة عن تعاطف الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مع عائلات القتلى، واصفين العملية بـ«ممارسة إرهابية منزوعة المشاعر تجاه شبان أبرياء». إذاً، كانت التغطية بمجملها معتبرة للجانب الإسرائيلي، فيما عدّت bbc جريمة قتل الطفلين الفلسطينيين نديم نوارة ومحمد أبو ظاهر (الأخبار 24/6/2014) غامضة ومتنازعاً على حقيقتها. خلص الصحافيان في نهاية مقالهما إلى أن اهتمام المؤسسات الإعلامية بمآسي الفلسطينيين صفر، عازيين ذلك إلى الضغوط التي يمارسها اللوبي الصهيوني على الإعلام الغربي، فضلاً عن التحالف البريطاني الأميركي المنحاز أصلاً للاحتلال. واستشهدا بعبارة قالها لهما أحد المحررين المهمين في bbc: «نحن ننتظر بخوف مكالمة من الإسرائيليين».