القاهرة| الكلفة الإنتاجية الباهظة والقاعدة الكبيرة من الجمهور المعجب بدراما القصور لم تصدّا الهجوم اليومي المتواصل على مسلسل «سرايا عابدين» (كتابة هبة مشاري حمادة، وإخراج عمرو عرفة) بسبب الأخطاء التاريخية التي رصدها الاختصاصيون وحتى غيرهم من المشاهدين العاديين.

الانتقادات الموجّهة إلى العمل المعروض حصرياً على قناة «أم. بي. سي. مصر» (22:00)، لم تقتصر على الأخطاء التي تضمّنتها الحلقة الأولى، بل تشكّلت ما يمكن وصفه بلجان مراجعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمناقشة الأخطاء وتصحيحها ونشر الوقائع المثبتة تاريخيّاً.

في المقابل، لم يقبل الغاضبون من «سرايا عابدين» التعامل معه باعتباره دراما قصور تهدف إلى تسلية المشاهد المحبّ لعلاقات الحبّ، والغيرة، والانتقام بين الأميرات والجواري في دهاليز القصر، سواء كان تركياً أو مصرياً.
هكذا، دشّن المؤرّخ المعروف ماجد فرج المتخصّص في تاريخ الأسرة العلوية سلسلة يومية لمتابعة أخطاء المسلسل عبر حسابه على الفايسبوك، مشيراً إلى أنّ الأخطاء لم تقف عند حاجز التواريخ فقط، بل امتدت الى ما هو أكبر من ذلك. مثلاً، ورد شعار المملكة المصرية (أول دولة مصرية حديثة) في بداية الحلقة الثانية التي تدور أحداثها عام 1860، في حين أنّ التاريخ يقول بأنّ هذا الشعار صمِّم عام 1922. كذلك، أشار ماجد فرج إلى أنّ الحلقة الثانية شهدت عزف «فالس الدانوب الأزرق» الذي خرج إلى النور عام 1867 أي بعد سبع سنوات من الأحداث التي يراها المشاهد على الشاشة! أما القاعة التي حملت اسم محمد علي في سرايا عابدين، فظلّ اسمها «الصالون الأكبر» حتى عهد الملك فؤاد الأوّل، ولم تحمل اسم محمد علي. وواصل فرج اعتراضه على استخدام تعابير مثل «جلالة الخديوي» و«جلالة الملكة»، إذ لم تكن مستخدمة على الإطلاق في هذا العصر على حد تعبيره. أما قلادة محمد علي التي استعان بها صنّاع العمل، فلم تظهر أيضاً إلا في عهد السلطان حسين، أي في بدايات القرن العشرين. كما أنّ الوالدة باشا خوشيار هانم التي تجسّدها يسرا لم تسكن قصر «سرايا عابدين»، بل «قصر الدوبارة» الواقع حالياً في منطقة «غاردن سيتي». وتواصلت تعليقات فرج وغيره من المتابعين للمسلسل، حتى إنّ هناك رأياً ذهب إلى أنّ العمل يهدف إلى تدمير الهوية المصرية. ودعا فرج مؤلّفة العمل هبة مشاري حمادة، ومخرجه عمرو عرفة إلى مناظرة على الهواء مباشرة على أيّ فضائية يختارانها. وبالطبع كانت حمادة هي مرمى كل السهام الغاضبة تقريباً، كونها كويتية، ما زاد الطين بلّة على حدّ رأي المشاهدين الرافضين لتلك الأخطاء، وسط تساؤل عن سبب عدم استعانة صنّاع العمل بخبراء في التاريخ المصري لسدّ الثُّغَر حول هذه التفاصيل. من جانبها، أكّدت هبة مشاري حمادة في اتصال مع «الأخبار» أن ««سرايا عابدين» مستوحى من القصص التاريخية التي عاشتها مصر، وأن العمل لا ينتمي إلى الأعمال التي توثّق الأحداث زمنياً وتاريخياً».

تعاملت الكاتبة مع التواريخ باعتبارها جغرافيا قابلة للاستخدام

وأضافت إنها تعاملت في مرحلة الكتابة مع التواريخ باعتبارها جغرافيا قابلة للاستخدام وفق الاحتياج الدرامي للأحداث، لافتة إلى أنّ فريق العمل كتب معنى ذلك في بداية كل حلقة لإيصال الرسالة إلى المشاهد. لكنّ كلام هبة مشاري ردّ عليه النقّاد باكراً بأنّه «لا يحقّ لأيّ مؤلف الاكتفاء بعبارة أن الأحداث مستوحاة»، طالما أنها مرتبطة بشخصيات موجودة بالفعل، وسيربط الجمهور ما يراه على الشاشة بالتاريخ الحقيقي لا بالتاريخ الدرامي الذي حدّدت المؤلفة ملامحه». لذلك، كان من الأفضل تغيير أسماء الشخصيات إذاً، وتصوير الأحداث على أنّها تجرى في سرايا مَلكية، من دون تحديد أسماء، وخصوصاً أنّ الخديوي إسماعيل يتمتّع بمكانة كبيرة في التاريخ المصري. هو ثاني أهم حكّام مصر في القرن التاسع عشر، بعد جدّه محمد علي باشا، مؤسس الدولة المصرية الحديثة. ويُتوقع أن يستمرّ الهجوم حلقة تلو أخرى، وقد باتت الكرة في ملعب «أم. بي. سي.»، فهل تسعى إلى تعديل الموقف في المواسم المقبلة؟ أم تستمرّ على النهج نفسه، ويستمر غضب المصريين الذي قد يضرّ بموقف الشبكة السعودية في صراع المنافسة المستعر داخل سوق الفضائيات المصرية. فقد بدأ المنافسون المحليّون يؤكّدون أن أخطاء «سرايا عابدين» تؤكّد صحة وجهة نظرهم في ما يخصّ بروتوكول التعاون بين القناة العربية الأبرز والتلفزيون الرسمي المصري، وأنّ استمرار هذا التعاون قد يؤدّي إلى مزيد من التشويه للتاريخ المصري عبر أعمال أخرى مقبلة.

* «سرايا عابدين» 22:00 على قناة «أم. بي. سي. مصر»